Français
English
 
 

الحركة الأمازيغية: النشأة والمسار (لمحة موجزة)

بقلم محمد المساوي - AmazighWorld.org
بتاريخ : 2010-12-22 00:03:00

في تاريخ إيمازيغن...

منذ ما يزيد عن ثلاثة آلاف سنة والإنسان الأمازيغي يصنع تاريخه وحضارته العريقة على طول أرض شمال أفريقيا وعرضها، تاركا بصماته وآثاره في كل بقاع المنطقة، ما بين أحجار وواحات الصحراء الكبرى، وكهوف ومغارت جبال أهكار وتاسيلي والأطلس والريف. تنوعت هذه الآثار القديمة ما بين الرسوم بمختلف أنواعها، والتي تجسد جوانب من حياة قدماء الأمازيغ؛ من رعي وقطف وزراعة وحصاد وحروب... وغيرها من مظاهر وتجليات الحياة اليومية لإنسان المرحلة القديمة، وكذا معتقداته الروحية... إلى جانب الرسوم ترك لنا الأمازيغ القدماء ما يعد بآلاف القطع المنقوشة بحروف تيفيناغ التي عرفت صيغتها الأولى في المصادر التاريخية بالحروف اللوبية، ثم سميت بتيفيناغ في مرحلة لاحقة...

إذا كانت بعض المصادر التاريخية القديمة وكذا الاكتشافات والحفريات الأثرية الحديثة قد كشفت عن جزء من هذه الكنوز الثقافية والفنية، والتي أعادت رسم خريطة جوانب من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية لأجدادنا الأمازيغ، فإن منطقة تامازغا ما زالت في حاجة إلى مزيد من الجهود الجبارة لاستكشاف وانتشال ما تبقى من المواقع والقطع الأثرية لاستكمال ملامح الصورة الحقيقية لتاريخنا القديم. والمهمة الأساسية التي ينبغي الإنكباب عليها باستعجال وملحاحية هي فك شفرة الحروف الأمازيغية القديمة وبالتالي التمكن من قراءة القطع والوثائق الحجرية المكتوبة بحروف تيفيناغ اللوبية بمفردها، وذلك باعتبار أنه تم تفكيك الوثائق المزدوجة اللغة بالاعتماد على النص الأجنبي سواء كان إغريقيا أو لاتينيا أو بونيا. وهنا لا بد من تسجيل مفارقة غريبة وهي أنه في الوقت الذي تمكن فيه الباحثون وعلماء الآثار والكتابات القديمة من فك معظم إن لم يكن كل الكتابات القديمة حتى الكتابات الهيروغليفية، فإنهم لم يتمكنوا من فك سوى النزر القليل من الكتابات الأمازيغية، فهل يتعلق الأمر بصعوبة أصلية تجعل من المستحيل فك الرموز الأمازيغية القديمة؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تقصيرا أو بالأحرى عدم توفير الإمكانيات الكافية لتمويل مثل هذه المشاريع العلمية؟

رغم النقص الذي شاب عمليات البحث التاريخي في منطقة شمال أفريقا، فإن ما أنجز منها أعطى صورة واضحة عن الباع الحضاري الكبير لسكان المنطقة الأمازيغ ومساهمتهم الكبيرة في أحداث مختلف المراحل التاريخية التي مروا بها. رغم أن مختلف المصادر التاريخية التي كتبت عنهم خطت بأيادي أجنبية، هي في غالب الأحيان خصما بل وعدوا لإيمازيغن.

هذا إذا علمنا أن منطقة شمال أفريقيا قد عرفت -عبر تاريخها المديد- غزوات عسكرية متوالية، كانت تقودها أطماع القوى المجاورة في التمتع بل والاستئثار بخيراتها الوفيرة. فكانت الغزوات الفرعونية، التي أعقبتها مناوشات طويلة المدى، استطاع من بعدها الأمازيغ الاستيلاء على الحكم الفرعوني بتأسيس الأسرة الثانية والعشرين بقيادة الملك شيشونق.

كما تعرضت المنطقة لغزو الإمبراطورية الإغريقية اليونانية، خاصة المنطقة الشرقية من تامازغا، حيث يذكر التاريخ وصول الإمبراطور الإغريقي الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوا حيث معبد الإله آمون لينعم ببركاته، في مسيرته الكبرى لإخضاع كل العالم القديم للسيطرة اليونانية.

ثم جاء دور الفينيقيين، اللذين عرفوا قيمة ما تزخر به المنطقة من خلال رحلاتهم التجارية التي وصلت إلى أقصى غرب تامازغا على المحيط الأطلسي، هذه الرحلات التجارية والاستكشافية التي خلدت من خلال رحلة حانون، المدونة في المصادر التاريخية القديمة. فقد قام الفينيقيون بتأسيس مدينة قرطاجة كنواة للإمبراطورية التي عرفت بنفس الإسم، والتي هيمنت على البحر الأبيض المتوسط وكادت في مراحل معينة أن تطيح بالإمبراطورية الرومانية، لولا تحالف الملك الأمازيغي ماسينيسا مع الرومان لتحطيم قرطاجة، كخطوة أولى لتحرير كل شمال أفريقيا من الغزو والتأثير الأجنبي، وهو الملك الذي عرف برفعه لشعار "أفريقيا للأفارقة"، وفي عهده عرفت اللغة الأمازيغية نقلة نوعية هامة ارتقت من خلالها لأن تنقش حروفها تيفيناغ على وجه العملة الرسمية لمملكة نوميديا.

بعد وفاة ماسينيسا والصراع على السلطة بين أبناءه وحفدته، هذا الصراع الذي حاولت من خلاله روما التدخل مباشرة في تحديد المصير السياسي لمملكة نوميديا خاصة ولعموم الممالك الأمازيغية، بعد تجريدها لجيوش جبارة للقضاء على الملك يوغورطن الذي قاد حربا تحررية حقيقية في مواجهة الأطماع الرومانية. فكان الدور على عصر الاحتلال الروماني لشمال أفريقيا، مسجلا بذلك أطول احتلال أجنبي في التاريخ القديم لتامازغا. رغم أن روما لم يطب لها المقام سوى في شريط ساحلي ضيق لم يتجاوز في القسم الغربي من الشمال الإفريقي مدينة وليلي. هذا الشريط الساحلي عملت القوات الرومانية للحفاظ عليه، على إحاطته بجدار عازل عرف ب "الليمس"، امتد لآلاف الكيلومترات من المحيط الأطلسي إلى شرق تامازغا.

وبعد صراع طويل وكفاح مستميت من طرف المقاومة الأمازيغية، وكذا بسبب عوامل دولية، تقهقر الاحتلال الروماني ليخلفه الغزو البيزنطي والوندالي، الذين لم يتمكنا من إطالة تواجدهما بالشمال الأفريقي.

وفي القرن السادس الميلادي، ومع ظهور الإسلام كدين جديد في منطقة شبه الجزيرة العربية، تمكن من تخليص العرب من تشتتهم وحروبهم القبلية، وتوحيدهم في اتجاه نشر الدين الجديد، مع ما يرافقه ويلازمه من موارد ومكاسب خيالية، نتيجة الفيء والجزية والخراج، توجهت جحافل الغزو العربي الأموي تجاه شمال أفريقيا. وقد لقيت مقاومة عنيفة من طرف الأمازيغ، جعلت المعارك في شمال أفريقيا تمتد لما يزيد عن ستين سنة...

وفي العصر الحديث كانت شمال أفريقيا قبلة ومطمعا للقوى الاستعمارية الأوربية، فاحتلت فرنسا الجزائر سنة 1830، وتونس سنة 1881، وليبيا سنة 1911، والمغرب بعد معاهد الحماية سنة 1912 بعد احتلال العديد من المواقع والثغور في فترات سابقة.

نتيجة لهذه السلسلة من الغزوات التي عرفها تاريخ إيمازيغن، تشكلت مقاومة أمازيغية عبر هذا التاريخ لكل الغزاة، الشيء الذي جعل من المقاومة قيمة من قيم الثقافة الأمازيغية. وقد شهد القرن العشرين قمة سيرورة هذه المقاومة التي كبدت المستعمرين خسائر فادحة... خاصة مقاومة أمازيغ الريف بقيادة البطل التاريخي محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي كان وبحق مدرسة لكل قوى التحرر عبر العالم...

في نشأة الحركة الأمازيغية

رغم هذا الزخم التاريخي لإمازيغن، فإنه بعد جلاء جيوش الاستعمار عن تامازغا، كان عليهم أن يعيشوا مواطنين بل رعايا من الدرجة الثانية، وذلك بعد أن رفضوا ما يسمى بمعاهدة "إيكس ليبان" خاصة من طرف محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي وصفها بالخيانية، وكذا من طرف قادة جيش التحرير وعلى رأسهم الشهيد عباس لمساعدي، الذين رفضوا ترك سلاحهم قبل تحرير كل شمال أفريقيا، وذلك سيرا على نهج مؤسس جيش تحرير شمال أفريقيا الزعيم الخطابي...

فكان أن همشوا من الحياة السياسية والثقافية، بل ولمكر التاريخ اتهموا بالتعامل مع المستعمر، فحُمّلوا جريرة ما سمي "ظهيرا بربريا". وبالتالي وبعد تطبيق المبادئ الأربعة لما يسمى ب "الحركة الوطنية" في التعليم خاصة التعريب، أصبح أي حديث عن إيمازيغن كذات وهوية وثقافة وحضارة وتاريخ من قبيل المخططات الاستعمارية وغيرها من النعوت والألقاب التي كانت ترمي إلى إسكات الصوت الأمازيغي إلى الأبد...

فما كان للأمازيغ أبناء المقاومين، اللذين دخلوا المدارس الحديثة وتخرجوا عبر برامج التعريب القسري والإجباري، ورغما عنها، ما كان منهم سوى أن يعملوا بتؤدة وروية من أجل إعادة الاعتبار لتاريخهم وهويتهم وثقافتهم الأمازيغية. فكانت البداية بالعمل الجمعوي، فتأسست الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي بالرباط سنة 1967 كجمعية تهتم بالتراث والفلكلور الأمازيغي وتعمل على محو الأمية... هذا في سياق دولي اتسم بالتحرر والثورة على القيم البائدة في كل أنحاء العالم... وأساسا كان تأسيس الأكاديمية الأمازيغية بباريس من طرف المناضلين الأمازيغيين القبائليين المهاجرين بفرنسا وعلى رأسهم موحند باسعود أعراب. هذه الأكاديمية التي كان لها دور جوهري وأساسي في بلورة وعي وخطاب أمازيغي جذري، كان من سماته الأساسية تجديد وإعادة إحياء حروف تيفيناغ الجديدة ونشرها على نطاق واسع، وتعبئة قوى جماهيرية واسعة خاصة في الجزائر والمغرب، هذا الأخير الذي عرف في نهاية السبعينات بروز العديد من الجمعيات الثقافية من قبيل الجمعية الجديدة للثقافة والفنون الشعبية بالرباط وجمعية الانطلاقة الثقافية بالناظور وجمعية الجامعة الصيفية بأكادير وجمعية أمازيغ التي أسسها بمعية آخرين المرحوم علي صدقي أزايكو، الذي سيكون أول معتقل سياسي أمازيغي إثر اعتقاله بعد نشره لمقاله "من أجل مفهوم حقيقي لهويتنا الوطنية".

وإذا كانت الدورة الأولى لجمعية الجامعة الصيفية سنة 1980 بأكادير مناسبة لأول بروز علني للخطاب الأمازيغي في شكل ندوة وطنية، فإن الميثاق الثقافي للجمعية الجديدة التي ستعرف في التسعينات بتاماينوت، أحدث نقلة نوعية في الخطاب الأمازيغي باستناده على مفاهيم حقوق الإنسان ومبادئ النسبية والعقلانية والحداثة...

في تفعيل وتطوير المسار الفكري والنضالي للحركة الأمازيغية

بعد منع الدورة الثانية للجامعة الصيفية بأكادير سنة 1982، وبعد الجمود الذي طبع نشاط الحركة الجمعوية الأمازيغية على غرار الجمود العام الذي طبع الحياة السياسية المغربية طيلة عقد الثمانينات، استأنف النشاط الأمازيغي مع مطلع التسعينات، خاصة مع توقيع ميثاق أكادير في 5 غشت 1991 على هامش الدورة الرابعة للجامعة الصيفية بأكادير. هذا الميثاق الذي كان بمثابة أرضية نظرية للجمعيات الموقعة والمنظمة إليه فيما بعد، وكان حافزا لتطوير العمل الجمعوي الأمازيغي بالمغرب خاصة مع توقيع مذكرة حول الحقوق الثقافية الأمازيغية موجهة إلى المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان المنعقد بفيينا صيف 1993. وكذا توقيع رسالة إلى الأحزاب السياسية والحكومة والبرلمان في نفس التوقيت...

هذه الحركية نتج عنها تأسيس المجلس الوطني للتنسيق بين الجمعيات الأمازيغية بالمغرب في فبراير 1994، ليشكل أول إطار تنظيمي عرفي يجمع إيمازيغن. تأسس في البداية بحوالي تسعة جمعيات، والتي ستصل في نهاية 1996 إلى حوالي 32 جمعية. قام المجلس الوطني للتنسيق بدور هام وأساسي في تفعيل العمل الأمازيغي المشترك، وقد بدأ هذا التفعيل في إطار تعبئة الرأي العام الوطني والدولي للتضامن مع معتقلي جمعية تيليلي الذين اعتقلوا في ماي 1994 بسبب مشاركتهم في تظاهرة فاتح ماي ورفعهم للافتات مكتوبة بتيفيناغ وأخرى تطالب بإعادة الاعتبار للهوية والثقافة الأمازيغية... كما أن المجلس الوطني أصدر دورية أمزداي التي كانت تنشر وثائق الجمعيات الأمازيغية، وكذا مقالات تحليلية حول القضية الأمازيغية... وفي سياق التعديلات الدستورية لسنة 1996، وبعدما لم تدرج الأحزاب السياسية للمطالب الأمازيغية ضمن مذكراتها للقصر، قدم مجلس التنسيق مذكرة حول الأمازيغية والإصلاحات الدستورية سلمت للديوان الملكي، كما تم تنظيم ندوة صحفية حول ذات الموضوع بالرباط... غير أن عدم تضمن الدستور المقترح من طرف الملك لأي من مطالب الجمعيات الأمازيغية، اضطرت المجلس الوطني للتنسيق إلى إصدار بيان، قبيل التصويت على الدستور، يعلن فيه عدم رضى الجمعيات الأمازيغية على الدستور المقترح في ظل تغييب المطالب الأمازيغية العادلة والمشروعة.. واستعداده للنضال من أجل تحقيقها...

أمام اتساع دائرة الجمعيات المنضوية في مجلس التنسيق، طرحت مسألة القدرة الاستيعابية للمجلس أمام العدد الكبير من الجمعيات الموجودة على المستوى الوطني، والتي أبدت رغبتها في الانضمام للعمل الأمازيغي المشترك.

أمام هذا الوضع طرحت المسألة للنقاش بين جمعيات المجلس، فكانت الرؤى والتصورات مختلفة؛ ما بين مقترح الإبقاء على الطبيعة العرفية للمجلس مع تدقيق الضوابط التنظيمية، ومقترح تحويل المجلس إلى إطار قانوني ذو شخصية معنوية بتأسيس فدرالية أو كونفدرالية (تاضا)، وخيار العمل بجناحين السياسي والثقافي، ومقترح تأسيس تنظيمات وتنسيقات جهوية...

لدراسة هذه المقترحات والتصورات تم الاتفاق في مجلس التنسيق على عقد ندوة وطنية للتنسيق بالمعمورة في مارس 1997، تنكب على دراسة أفاق العمل الأمازيغي والأشكال التنظيمية الملائمة لفعل أمازيغي مؤثر وقوي وفعال. غير أن خلافات برزت في مراحل الإعداد للندوة خاصة حينما احتد النقاش حول طبيعة الإطار الذي من المزمع الخروج به من الندوة الوطنية... فكان الفشل هو مصير الاستعدادات ولم تنعقد الندوة الوطنية حول استراتيجيات التنسيق الوطني بين الجمعيات الأمازيغية بالمغرب. وبالتالي تشتت مجلس التنسيق الوطني بعد انسحاب العديد من الجمعيات ولا مبالاة البعض الآخر، رغم الإعلان عن تأسيس كونفدرالية "تاضا"...

كما كان للنزوع الجهوي لبعض الجمعيات داخل مجلس التنسيق دور أساسي في تقويض التنسيق الوطني، وتشتيت العمل الجمعوي الأمازيغي المشترك...

بعد هذه السيرورة برزت محاولة للتنسيق على أساس نقط محددة كان أبرزها مسيرة "تاوادا"، التي دعت إلى تفعيلها مجموعة من الجمعيات الوطنية والتنسيقات الجهوية والحركة الثقافية الأمازيغية بالجامعة.. غير أنها لم ترى النور بدورها بسبب اختلاف حسابات المكونات الجمعوية المشاركة في هذا المسار خاصة بعد الإعلان عن تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية...

في سنة 2000 كان للبيان حول ضرورة الاعتراف الرسمي بأمازيغية المغرب، الذي حرره الأستاذ محمد شفيق، دور أساسي في تحريك الفعل الأمازيغي بالمغرب، سواء من خلال الندوات التي عقدتها الجمعيات الأمازيغية لمناقشة البيان، أو من خلال لقاءات ومؤتمرات البيان التي عرفت نقاشات حادة ومستفيضة حول الخيار التنظيمي للحركة الأمازيغية... هذه الخيارات التي يمكن تلخيصها في ثلاث تصورات؛ تحزيب القضية الأمازيغية من خلال تأسيس حزب سياسي يدافع عن القضية الأمازيغية في ظل تعنت الدولة والأحزاب السياسية في الاستجابة للمطالب الأمازيغية العادلة والمشروعة... وخيار تأسيس جمعية ذات طابع سياسي كمنتدى للنقاش السياسي حول الأمازيغية وبلورة التصورات السياسية حول الأمازيغية، تضم بين صفوفها جميع الفاعلين الأمازيغيين مستقلين ومنتمين لأحزاب سياسية... وخيار تأسيس حركة سياسية عبرت عنها ورقة "حركة إمغناس من أجل الحرية والديموقراطية"، ليست حزبا سياسيا باعتبار أنها لا تسعى للوصول إلى السلطة السياسية، وليست جمعية ذات طابع سياسي نخبوية الاتجاه أو صالون للنقاش السياسي، بل حركة سياسية مستقلة تمنع انخراط المنتمين ح**يا، وتعمل على تأطير الجماهير العريضة وتوعيتها بالقضية الأمازيغية وبالمطالب الديموقراطية للشعب المغربي... وقد كان هذا الخيار الأخير من اقتراح مناضلي الحركة الثقافية الأمازيغية بالجامعة ومناضليها المتخرجين...

وبمناسبة ذكر الحركة الثقافية الأمازيغية، لا بد من الإشارة إلى هذا المكون الأساسي داخل الحركة الأمازيغية، فالحركة الثقافية الأمازيغية MCA تأسست في بداية التسعينات في مختلف الجامعات المغربية، وهي حركة مستقلة عن كل الانتماءات الح**ية وحتى عن الجمعيات الأمازيغية، وتعمل من داخل الإتحاد الوطني لطلبة المغرب... وتمكنت فيما بعد منتصف التسعينات من عقد لقاءت وطنية توجت بتشكيل لجنة وطنية للتنسيق تغيرت تسميتها فيما بعد لتسمى بالتنسيقية الوطنية للحركة الثقافية الأمازيغية كجهاز تنفيذي للحركة الثقافية الأمازيغية بعد اللقاء أو المؤتمر الوطني اللذين ينعقدان كل سنة لتجديد الهيكل التنفيذي... وقد ساهمت MCA بشكل أساسي في سيرورة الحركة الأمازيغية منذ منتصف التسعينات، سواء من خلال عمل مناضليها في الجمعيات الأمازيغية أو من خلال مشاركتها في الإعداد لمسيرة "تاوادا" أو في مساهمتها في لقاءات البيان الأمازيغي إلى غاية اللقاء الرابع الذي شهد انسحاب MCA ومناضليها...

وفي سياق البحث عن مخرج لتأزم الفعل النضالي الأمازيغي، كانت تظهر وتختفي العديد من التنظيمات والتنسيقات الجهوية. فظهرت للوجود كونفدرالية الجمعيات الأمازيغية بشمال المغرب في صيف 1998، والتي تم الإعداد لها منذ ما قبل فشل التنسيق الوطني... مما يعطي مصداقية للقراءات التي اعتبرت أن الكونفدرالية جاءت كمحاولة لإقبار مجلس التنسيق الوطني، خاصة إذا علمنا أن قانونها الأساسي يسمح بانضمام جمعيات من خارج منطقة الشمال... هذا وقد نظمت كونفدرالية الشمال منذ تأسيسها إلى الآن ندوة وحيدة ?غير أنها ذات أهمية كبيرة- حول تدريس الأمازيغية، نشرت جزئيا في العدد الثاني من مجلة "حفريات مغربية"... وللإشارة لم تستطع بعد الكونفدرالية عقد مؤتمرها الأول رغم مرور ما يزيد عن سبع سنوات على تأسيسها في 1998...

كما تأسست كونفدرالية "تامونت إفوس" بالجنوب كإطار تنسيقي بين الجمعيات وفروع الجمعيات الأمازيغية بالجنوب المغربي... عقدت هذه الكونفدرالية بعض الندوات والأنشطة الثقافية وساهمت في بدايتها في تأطير العمل الجمعوي بالجنوب، غير أنها في الآونة الأخيرة عرفت العديد من التصدعات والانسحابات أثرت على مصداقيتها...

كما تأسست تنسيقية "أميافا" في وسط المغرب كإطار عرفي للتنسيق بين الجمعيات الأمازيغية... ساهمت نسبيا في توحيد الجهود الجمعوية بمنطقة الأطلس والجنوب الشرقي...

وعودة إلى منطقة الريف، وبموازاة مع الكونفدرالية تأسست "لجنة قاضي قدور" كإطار للتنسيق بين جمعيات الشمال خاصة في تنظيم وتخليد السنة الأمازيغية وكذا بعض الندوات الثقافية... غير أن الخلافات وسوء التفاهم بين الفعاليات الجمعوية التي كانت تحتضن المبادرة، ساهم في تقويض وتشتيت اللجنة...

وعلى المستوى الوطني وبعد غياب للتنسيق الوطني منذ 1997، عادت الفكرة لتخامر الجمعيات الأمازيغية التي شاركت في الندوة الأورو-تامازغا المنظمة في دجنبر 2003 بالرباط... فتم على هامش أشغال الندوة تشكيل لجنة لمتابعة ملف التنسيق الوطني، مهمتها الاتصال بالجمعيات الأمازيغية غير الحاضرة في الندوة الأورو-تامازغا، وكذا إعداد مشاريع الأوراق الفكرية والتنظيمية لمناقشتها في اللقاء الوطني الذي ضرب له موعد بعد سنة... وبالفعل انعقد اللقاء الوطني بتمارة في يناير 2005، غير أن عدم قيام لجنة المتابعة بمهامها الأساسية المتمثلة في الاتصال بالجمعيات وكذا توحيد الرؤى التنظيمية والفكرية... جعلت اللقاء يتمخض عن الإعلان عن تأسيس التنسيق الوطني "أمياواي إمازيغن" دون المصادقة على أية أوراق تنظيمية أو فكرية... وتم تشكيل سكرتارية وطنية مهمتها إعداد الأرضيات التنظيمية والفكرية، والاتصال بالجمعيات، وعقد ندوات جهوية لتدقيق المفاهيم والتصورات، وأعطيت لها مهلة سنة واحدة للإعداد للمؤتمر الوطني ل "أمياواي إيمازيغن" ...

وعلى المستوى الدولي، وبعد مؤتمر فيينا لحقوق الإنسان صيف 1994، برزت دينامية لتجميع وتوحيد صفوف الحركة الأمازيغية على المستوى الدولي، فظهرت على هامش لقاء دوارنونيز المخصص للسينما الأمازيغية فكرة تأسيس تنظيم أو منظمة دولية تجمع إيمازيغن على مستوى شمال أفريقيا والدياسبورا. في هذا اللقاء تشكلت لجنة تحضيرية للإعداد للمؤتمر التحضيري للكونغريس الأمازيغي العالمي، الذي عقد مؤتمره التحضيري الذي تحول إلى مؤتمر تأسيسي في بداية شتنبر 1995، ليعلن عن توحد إيمازيغن ولأول مرة في تاريخهم... انعقد المؤتمر الأول في جزر الكناري في صيف 1997، والمؤتمر الثاني في ليون بفرنسا صيف 1999، والمؤتمر الثالث بروبيكس صيف 2002، والمؤتمر الرابع ولأول مرة على أرض تامازغا عقد بمدينة الناظور بالريف في صيف 2005... ورغم الأهمية الكبرى لهذه المنظمة الدولية التي تجمع إيمازيغن، فإنه من الضروري الإشارة إلى محدودية وتواضع منجزاتها التي لم تتجاوز المستوى الرمزي... وذلك بطبيعة الحال لأسباب موضوعية وذاتية يمكن تلخيصها في غياب الموارد المالية...

من جانب آخر، فيما يتعلق بالمسألة الدستورية، صدرت في سنة 2004 وثيقتان حول الأمازيغية والدسترة. الأولى موقعة من طرف فعاليات أمازيغية، والثانية صدرت عن الجمعيات الأمازيغية بالريف. مما أثار من جديد مسألة الدسترة وأعادها إلى واجهة النضال الأمازيغي... خاصة وأن الأمر هذه المرة لم يعد يتمحور حول اللغة والثقافة فقط، بل تجاوزه لبلورة مطالب سياسية شاملة، باعتبار انخراط الحركة الأمازيغية في سيرورة النضال من أجل دمقرطة الدولة والمجتمع... فقد تضمنت الوثيقتان المطالبة بدستور ديموقراطي شكلا ومضمونا، يقر بالهوية الأمازيغية، وبالأمازيغية كلغة وطنية ورسمية، وكذا المطالبة بتحقيق دولة علمانية، فديرالية، وإقرار سمو المعاهدات والاتفاقيات الدولية على القانون الوطني، واعتبار الأعراف الأمازيغية مصدرا للتشريع...

غير أن هاتين الوثيقتين ورغم أهميتهما، تبقيان ناقصتين وعامتين، مما يستدعي تفعيل ورشات وموائد مستديرة لأجرأتهما، وبلورة تصورات دقيقة ومستفيضة حول عناوينهما العامة، من قبيل العلمانية- الديموقراطية- الفديرالية- الدستور الديموقراطي- الأعراف...

وفي هذا السياق جاء انعقاد لقاء الجمعيات الأمازيغية بالريف الموقعة على ميثاق الريف من أجل دسترة الأمازيغية، في ضيافة جمعية تافسوت للثقافة والتنمية بإمزورن يوم 12/09/2005...

كما أنه من الضروري العمل على دفع النقاش على المستوى الوطني، لبلورة وثيقة مطالب أمازيغية موحدة على هذا المستوى، وذلك لتوحيد صفوف الحركة الأمازيغية من جهة، ومن جهة أخرى لإعطاء مصداقية وقوة أكثر للخطاب الأمازيغي بشأن الدستور الديموقراطي...

هذه لمحة موجزة وسريعة حول نشأة الحركة الأمازيغية ومسارها النضالي والتنظيمي. تبقى عامة ومجملة لطبيعة الحيز المتاح لنشرها، غير أنها تبقى مادة نعتقد أنها مفيدة لكل من يريد أن يلقي نظرة بسيطة وسريعة على نشأة الحركة ومسارها، غير أنها لا تغني عن المزيد من التعمق لمن يرغب في تكوين نظرة أكثر دقة وعمقا...

منشور في مجلة تافسوت العدد الأول ربيع 2007


تابعونا على الفايس البوك الجديد

 

 

 
تواصل
انشرها او انشريها على الفايس بوك
مقالات لنفس الكاتب محمد المساوي
ارسل المقال الى صديق
مقال قرئ 7887

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 

1 التعليق رقم :
علي ايت احمد بقلم :
الانخراط تحت عنوان :
Morocco البلد :
 
السلام عليكم اطلب منكم الانخراط في الحركة الأمازيغية.  
 

 

2 التعليق رقم :
زهير البهاوي بقلم :
التعليق 2 تحت عنوان :
Algeria البلد :
 
تبركلا على هذا التعريف الممتاز



 
 

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق y4u3et78 هنا :    
 

 

 

 

   
   
   
   
   
 

 

 

مقالات اخرى

مدینة أغمات: أم الحواضر المغربیة
بتاريخ : 2022-01-19 14:11:00 ---- بقلم : حسن عويد




الهويات المقتولة
بتاريخ : 2021-12-07 16:55:00 ---- بقلم : محمد بودهان






 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.