Français
English
 
 

الحركة الأمازيغية بالمغرب بين التحديات الراهنة والرهانات الاستراتيجية

بقلم محمد أيت بود - AmazighWorld.org
بتاريخ : 2013-05-14 22:42:00


استهلال :
استطاعت الحركة الأمازيغية بالمغرب، خلافا لنظيرتها في باقي بلدان المغارب الأخرى خاصة الجزائر وليبيا ، بيد أنه يمكن الحديث عن تونس وموريتانيا في سياق منفصل،أن تحقق مكاسب مهمة، وتراكم ارثا تنظيميا وفكريا ، واستطاعت بفضل نضال أعضائها الملتزمين، أن تحقق ثراء نضاليا جديرا بالاحترام، مكنها من أن تقطع أشواطا مختلفة من خلال مسيرة نضالية حافلة بالمحطات المضيئة، واللحظات الصعبة ، تموضعت خلالها في مفترقات طرق منهجية ومعرفية، كانت ثمرة نضجها ، والتزامها الجاد، خطابها الذي شكل فارقة واضحة في الساحة السياسية ببلادنا، بين خطاب يساري قومي، وآخر اسلامي ، من حيث ارتكازه عن المبادئ الكونية لحقوق الانسان ، والتنمية السياسية، هذا الخطاب التقدمي، خلخل العديد من الطابوهات ووضع موضع الشك و التساؤل العديد من المسلمات، وأسس لثقافة جديدة ، قوامها المواطنة ، والتعددية الثقافية،الشئ الذي ساعد على نقل النقاش في موضوع الأمازيغية ، لغة وثقافة وهوية، وحوله، من نقاش حميمي، يغازل الذات ويمجدها، الى مستوى النقاش العمومي ، الحافل بالإنجازات، وفي خضم ذلك النقاش المحتدم بين الأطراف المناقضة للخطاب الأمازيغي في الرؤى والتصورات التمثلات المنهجية والقيمية ، وأحيانا المجتزئة من السياق ، ظهرت خطابات ومواقف مهادنة تارة، ومعادية تارة أخرى يتراوح منطقها الداخلي والخارجي بين الهاجس التشكيكي المهووس بحرقة النقد المجاني، والرفض المطلق في بداية الأمر ، ثم المناور والراغب في الاحتواء أو الراغب في التجاوز والتخطي ، والالتفافي، في نهاية المطاف، هذه الحصيلة ، تجعل من الأهمية بمكان ، من أي موضوع استشرافي، مادة لاتزال أولية للتناول، ليس فقط من منظور الترف الفكري ، بل وأيضا من منظور القلق الوجودي، المرتبط، بالهم الثقافي والسوسيولوجي، للحركة الأمازيغية، كحركة لم تعد ، مجرد حركة ثقافية فحسب، بل واضحت، تستعد للعب أدوار أخرى، ربما ريادية، في مضمار، الحركات التصحيحية ، والاحتجاجية، فخطاب حقوق الانسان، والأرض، والثروات، والتنمية السياسية والمجالية، مضافة اليه، الخطاب التقليدي الرامي الى تبويئ اللغة والثقافة الأمازيغيتين مكانتهما الطبيعية في التراتبية اللغوية والثقافية بالبلاد، يدفعنا الى التساؤل عن استراتيجية الحركة الأمازيغية ، المحددة للنهوض بكل هذه الأعباء الثقافية والسياسية، هذا التساؤل مرتبط بشق آخر من التساؤل ، يتجلى في ماهية التحديات الراهنة التي تواجه الحركة الأمازيغية ، في حين يرتبط الشق الثاني بالرهانات الاستراتيجية للحركة الأمازيغية .



المبحث الأول : التحديات الراهنة.
الفقرة الأولى : تشظي الخطاب وتنوع مجالات الاهتمام.

لا يجب النظر الى هذا التساؤل بنوع من الانفعال المرتبط بتعالي الذات ، ونمو أنساقها النضالية ، بل يجب التفكير مليا في سبل مواجهة مسألة التعدد التي أضحت تسم الخطاب الأمازيغي ، أفقيا وعموديا ، فالنخبة التي كان همها التأسيس للمرحلة النضالية الأولى ، وكما هو معلوم ، تم احتواؤها في مؤسسة ليركام ، هذه النخبة ، وكباقي التجارب الانسانية كان همها الأساسي هو تأسيس الخطاب الأمازيغي ، والبحث له عن مشروعية حقوقية وسياسية ، بيد أن تعنت الخطابين اليساري القومي والاسلامي ، في فترة الستينيات من القرن الماضي ،أو لنقل الى هذه اللحظة ، ولو بشكل أخف من ذي قبل ، دفع الخطاب الأمازيغي الى تبني منظومة حقوق الانسان ومبادئ التنمية السياسية ، غير أن هذه المرتكزات التأسيسية سرعان ماتم تجاوزها من طرف قطاعات نضالية جديدة ، تأطرت ضمن الخطاب الحقوقي للحركة الأمازيغية ، وبدون أن تهضمه جيدا ، صارت تشرئب نحو تجاوزه ، وتبني بالتالي لأنساق فكرية وأيديولوجية ، تتقاطع مع الأنساق الحزبية تارة ، أو التعبوية تارة أخرى ،وبدون أن تقطع مع مرتكزات العمل الجمعوي ،لكنها تنساق مع الخطابات الموجهة ، وأحيانا العاطفية ، أو تتماهى مع المقولات الرامية الى استشراف الأغوار التاريخية ، والمجاهل المنسية ، والطبقات المتكلسة في الثرات الأمازيغي ، والانسية الأمازيغية ، منطلقة منها نحو استكشاف شساعات الفعل السياسي المرتكس في اسار الخطابات النهضوية القومية ، والإسلامية ، الممجدة للعصر الذهبي ، للخلافة الاسلامية ، والتي تقوم بأسطرة التاريخ الاسلامي ، وتصنع من الكائنات السياسية لهذا التاريخ ، آلهة في هيآة آدمية ، لخدمة أغراض وأهداف ، ترى أنها من صميم القضايا المركزية للحركة الأمازيغية الجديدة ، ترتبط بالمجال الواقعي ، والمعيش اليومي للإنسان الأمازيغي في المناطق الخلفية ، وعلاقته بالسلطة ، والأرض ، ومصادر الثروة ، هذا الانزياح الانعطافي ، خلف وقعا ارتجاجيا داخل منظومة الخطاب التقليدي للحركة الأمازيغية ، وخلخل بالتالي أسس ومنطلقات هذا الخطاب ، الفكرية ، السياسية ، والأيديولوجية ، وصرنا أمام جيل جديد من المطالب ، تتجاوز المطالب المرفوعة من لدن الحركة الأمازيغية على مدى تلاثة عقود خلت ، وبموازاة ذلك تشهد الساحتين الثقافية الأمازيغية والسياسية ، دينامية كبيرة ، ترتبط أولا بالتراكم الكمي والنوعي الحاصل في مجال الانتاج الثقافي ، الأدبي ، والفني الأمازيغي ، ثم بانخراط الفاعل الأمازيغي ولأول مرة منذ الاستقلال في الفعل السياسي الرامي الى طرح مشروع مجتمعي ، يتخذ الأمازيغية كأرضية أيديولوجية لبناء نسق سياسي جديد يتوخى التنمية الثقافية والسياسية والاقتصادية لعموم البلاد ، هذا الفعل السياسي سواء كانت تجلياته حزبية محضة أو جمعوية في لبوس سياسية ، سوف تجرنا الى الاعتراف بحقيقة مفادها ، تبلور الوعي لدى الفاعل الأمازيغي بضرورة الانتقال الى الممارسة السياسية ، من منطلق وعيه بالقصور المزمن الذي طبع تجربة الأمازيغ في علاقتهم بالسلطة السياسية التي تعاقبت على حكمهم منذ مجيئ العرب الى شمال أفريقيا ، وكذلك بالسياسة كوسيلة للتدبير والتسيير والتحكم في الرقاب والموارد ، وبالتالي في بلورة كافة التصورات القيمية حول الذات والانسان والكون والآخر.
هذه الطفرة النوعية التي شهدها ويشهدها الخطاب الأمازيغي في علاقة جدلية مع محيط متحرك ، موسوم بالتناقض ، قابل للانهيار في أي لحظة ، تبين هشاشة مجمل التفهمات الحاصلة حتى الآن بخصوص هذه القضية ، أخذا بعين الاعتبار كون أغلب أو جل المكاسب المتحصلة حتى الآن ، جاءت نتيجة توافقات فوقية ، خاضعة لتجاذبات موازين القوى ، على مستوى القمة ، في حين لاتزال القاعدة العريضة وفية لنفس المقولات الاقصائية والرافضة لمنطق التسوية والتفاهم ، أو حتى التقبل ، بل وتظهر أغلب الممارسات الصادرة من أطراف محسوبة على هذه القاعدة المتكلسة ، أنها لاتزال غير مستعدة لتقبل الأمر على أنه يندرج في اطار مجتمع آخذ في التحول والتطور ، وبدون هوادة ، نحو نموذج المجتمع والدولة الحديثة ، المرتكزة على مبادئ المواطنة والحق في الاختلاف ، بل انها تنظر الى الأمر على أنه يندرج في اطار مساومات سياسية لأطراف ، تتجاذبها مصالح ظرفية ، هذا التصور يضع الحركة الأمازيغية على المحك ، ويضع بالتالي الخطاب الأمازيغي أمام رهان سوسيوسياسي غاية في التعقيد والصعوبة ، يسائل الاثنان عن جدوى الاستمرار في تبني نفس الخطاب الثقافي ، كما تسائل الشق الراغب في التجاوز ، عن آلياته الراهنة والمستقبلية الراغب في استعمالها من أجل تجديد هذا الخطاب ، أو تلك المرتبطة بالنسق السياسي الذي تندرج ضمنه رؤاها السياسية للخطاب الأمازيغي ، والذي تدفع به نحو التسييس بدون أخذ الاحتياطات الفكرية والمنهجية والسوسيولوجية اللازمة ، فاذا نظرنا لخطاب الجهات المصنفة خطاباتها في زاوية الخطاب المناوئ ، ومن خلال تصريحات ومواقف اضحة وعلنية لأطراف محسوبة على تيارات معروفة ، في النسق السياسي المغربي الحالي ، سوف نفهم جيدا مدى التعقيد الذي أصبح يسم الخطاب الأمازيغي الراغب في تجاوز أرث المرحلة التأسيسية بدون ضمانات ، بدون برنامج أو برامج واضحة ، بدون أهداف مسطرة ، وبدون بوصلة فكرية ومنهجية ومطلبية محددة وتشكل القاعدة التنظيمية لمجمل القوى والأقطاب والفعاليات المتحركة ضمن اطار الخطاب والحركة الأمازيغيين ، هذا الرهان الجديد ، يضع على عاتق ، المناضلين، أو الملتزمين، تحديا، كبيرا، مرتبطا بالالتزام نفسه ، ومدى الاستعداد للعب الأدوار المنوطة في اطار خطاب تجديدي للحركة الأمازيغية، يعمل على لجم كل التواطؤات التي تحاك في السر ، كما في العلن ، ضدا على الوجود الشرعي ، أولا للأمازيغ على أرضهم، ثم للحركة الأمازيغية كحركة مجتمعية ، ثم للخطاب الأمازيغي كخطاب تحديث ، ومن جهة أخرى، لإضفاء قدر معين من الانسجام والشرعية على الخطاب الأمازيغي الذي أصبح يظهر لأطراف معادية على أنه أصبح خطابا شعبويا، في حين تجاهد تلك الأطراف على مترسة النقاش الدائر حول الأمازيغية في الساحة السياسية، وتروم الى نسف كل المكتسبات، مستعملة لكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة ، من منظور تأييسي، وفي استلهام النمط التشويهي للفكر والأطروحة الميكافليتين ، خدمة لأجندات داخلية وخارجية .



الفقرة الثانية: أزمة النقد الذاتي، وغياب تساوق الأنساق النضالية: ( 2 )

يرى أغلب المنظرين والفاعلين الأمازيغيين أنه حان الوقت، للتوقف وقفة تأمل ومساءلة الذات ، عن الحصيلة، وعن الانجازات، عن الاخفاقات، عن العراقيل، عن التحديات، وعن الاستراتيجيات ، لحظة توقف ضرورية يجرى خلالها حوار مع الذات، وخطاب الذات، هذا الخطاب الذي يمتاز بالاختلاف مع خطابات غيره من التنظيمات ، على كونه ، يدعو الى الديمقراطية، والتشارك، ويؤسس لقاعدة الاختلاف والتعدد ، في مجتمع يجب أن تسوده مبادئ المواطنة ، بحيث تقوم العلاقات بين الأفراد والجماعات والمؤسسات على احترام القانون، علاوة على كونه خطابا اتسم منذ بدايات تشكله بالمرونة والانفتاح، ولم يكن أبدا خطابا دوغمائيا، منغلقا ، ولن يكون أبدا ، خطابا ارتكاسيا ، لذلك وجب التنبيه الى ضرورة اجراء نقد ذاتي ، لفحص الحصيلة ، وتقييم المنجزات ، ومعرفة النقائص ومكامن الخلل، التي تعرقل تطور الخطاب الأمازيغي ، وتفرمل عمل الحركة الأمازيغية ، وتحد من فعاليتها ، وحضورها القوي والوازن في الساحتين الثقافية والسياسية بالبلاد ، بيد أنه يتضح من خلال قراءة المعطيات الميدانية ، المرتبطة بتحرك المجال السياسي في علاقته بالمجالين الاجتماعي والاقتصادي ، أو التنموي ، قصورا ، من طرف الحركة الأمازيغية ، التي لاتزال ، كما قلنا، تستشرف الآفاق للعب أدوار جديدة في هذا المجال ، لكن بدون أي استراتيجية واضحة، مما يحكم على أي عمل من هذا القبيل بالتخبط وعدم الفاعلية ، الشيء الذي من شأنه أن يحكم على أية مشاركة للفاعل الأمازيغي في السياسة ، أو في تدبير الشأن العام ، المحلي والوطني ، بدون خارطة طريق واضحة ، بالفشل ، وبالتالي النظر اليه على أنه عمل يشوبه العبث وتنقصه التجربة و بعد النظر ، اعتقد أننا لانختلف حول ما أثير آنفا بشأن انجازات الحركة ألأمازيغية بالمغرب ، والتي تعتبر ريادية في منطقة المغارب، الا أنه يجب أن نعترف ، وهذا الاعتراف سيفيد الذات ، التي يجب أن تعود الى نفسها ، كما أسلفت لتسائلها جيدا، أولا، حول عدم قدرة الحركة الأمازيغية منذ تجربة التنسيق الوطني على الالتئام من جديد قصد الالتزام بخط نضالي جديد ، يتضمن الحد الأدنى من المبادئ المعلنة ، ويسطر الأهداف الاستراتيجية، ويحدد المطالب بكل وضوح ، وذلك رفعا لكل لبس أو انحراف ، أو تشويه أو تشويش من أي طرف كان، معاديا أو مناصرا، كما لانختلف حول حقيقة أخرى مرتبطة ، بتحرك وفاعلية ودينامية الحركة الأمازيغية، التي أضحت تضم العديد من الأطياف الجمعوية، مجهزة بترسانة من التصورات والبرامج، والأهداف غير المعلنة، المصدرة لكم هائل من البيانات والاختيارات غير الخاضعة حتى لمنطق الفحص والدرس، وغير المنضبطة بالحد الأدنى من الانسجام والتناسق، تنساق أحيانا وراء المكبوت السياسي الكامن في لاوعي الأمازيغي، منذ زمن يوغرطة ، أقصد عندما تم اغتيال تجربة ميلاد المركز الحضاري المغاربي على يد الامبراطور الأمازيغي يوغرطة، من طرف الغزاة والمحتلين الرومان، بالإضافة الى سائر الترسبات المرتبطة بالامتهان والاسترقاق والاحتقار والتهميش الذي مورس عليه ، ولايزال يمارس عليه من طرف كل السلطات السياسية التي حكمته، ليس بمنطق السلطة المواطنة الراعية، بل بمنطق السلطة الغازية المنتفعة والمستغلة .

ان الحركة الأمازيغية كحركة اجتماعية ، محكومة اليوم أكثر من أي وقت مضى، باعمال مبدأ النقد الذاتي ، وتجاوز كل السلبيات المترتبة عن أزمة النقد الذاتي نفسه ، والمرتبطة بالتأويلات و التحويلات غير السليمة لمسارات نضالية خصوصية ، أو لتجارب فردية معزولة، أو لبرامج جماعية ، ضاعت وسط لغط المزايدات القيمية والسياسية ، لإطارات ، لم تحدد مرجعيتها الفكرية والأيديولوجية والسياسية، وهي تدعي انتماءها الى صفوف الحركة الأمازيغية ، والاشكال هنا ينصب حول ضرورة فرز الأشكال النضالية البارزة في الساحة، والطافحة ضمن السياق الذي يروم الى جعل من الأمازيغية ، الحصان الرابح في الرهان ، لكل ذي مشرب، غير مشرب النهوض بالأمازيغية ، والفرز يبدأ مع التنصيص بشكل علني وواضح وفي مؤتمر وطني عن المبادئ الأساسية للحركة ألأمازيغية ، حينئذ سيتضح أن الخطاب الأمازيغي ليس ملكا غير معروف المالك، والذي يمكن تملكه بواسطة الحيازة السياسية على مدى أجل معين ، محدد سلفا ، بل هو خطاب ذي مرجعية فكرية وسياسية وأيديولوجية ، تحتم على المنخرط والفاعل ضمنه الالتزام بالحد الأدنى من المبادئ المشتركة المعلنة، هذا الاجراء من شأنه أن يحصن المكاسب عن بعض الانحرافات المرتبطة بالـتأويل السياسوي لبعض أطراف المعادلة الأمازيغية، وتمظهرات الملف الأمازيغي في المعترك السياسي الرامي الى نسف كل الجهود ، وتعويم الخطاب، وادخال النشطاء في حرب بعضهم ضد بعض ، كما من شأن الاجراء المذكور أن يقوي حضور الحركة الأمازيغية و الخطاب الأمازيغي ، وجعلها رقما صعبا في المعادلة السياسية للمغرب الراهن ، فتبني الحركة لخطاب واضح المبادئ، عقلاني، واضح الأهداف والمرامي، سوف يكسبه الشرعية الأيدولوجية التي طالما افتقر اليها ، والتي يحتكرها الخطابين اليساري القومي والاسلامي ،بحكم ارتباطهما وبشكل عاطفي بقضايا تتجاوز المحلي والوطني وتتماهى مع " القومي " في تمظهراته الشوفينية، وتجلياته التي تتجاوز الواقع ، وتقفز عليه ، وتعانق قضايا الشعوب الأجنبية وتحولها من قضايا ذات بعد انساني محض، الى قضايا مصيرية ذات الارتباط الوثيق بالأرض والانسان الأمازيغي ، في حين يجب أن يراهن الخطاب الأمازيغي على تجديد ذاته، وذلك من خلال ارتباطه بما هو وطني ومحلي، ومن خلال الاهتمام بالإنسان الأمازيغي والمغربي، وتبني قضاياه ومشاكله، والتعاطي مع همومه و متطلباته بنوع من الايجابية المشبعة بالحس الوطني الحقيقي، والتعامل مع المجال ، والأرض ، بنوع من العلاقة الأميسية الراغبة في اعادة الاعتبار له، ولساكنه، في اطار المشروع المجتمعي الذي يجب أن تتبناه الحركة الأمازيغية.


المبحث الثاني : الرهانات الاستراتيجية : (3)
الفقرة الأولى: رهان تجديد الخطاب.

هذا المبحث يسائل الرهانات الاستراتيجية التي على الحركة الأمازيغية أن تراهن عليها من أجل تجديد الخطاب ، وتجاوز الظرفية الموسومة بالأزمة والانغلاق ، أو الدوران في حلقة مفرغة ، التي وجدت الحركة الأمازيغية نفسها ضمنها ، بفعل تعدد مكوناتها من جهة ، وتعدد أنساقها الفكرية والنظرية ، وكذلك بفعل الاختراقات التي تعرض لها خطابها من طرف خطابات كنت محسوبة على الأطراف المعادية ، بالإضافة الى الفراغ المهول الذي خلفه التحاق نخبة مهمة من الفاعلين الأمازيغيين بالمؤسسات الرسمية ، وتخلي بعضهم عن النضال من داخل التنظيمات التقليدية ، و الرجة أو الارتباك الذي خلفته الاستجابة الرسمية لمطلب دسترة اللغة الرسيمة ، بحيث لاتزال قطاعات كبيرة مشدوهة ومصدومة ، ولم تستوعب بعد ، الحدث ، من جهة أخرى ، وما استتبع ذلك من ربط الحدث بمشروع القانون التنظيمي ، الذي حول الصراع ، ومحوره ، وعدد من أقطابه ، وأخضعه لموازين القوى السياسية للأطراف المعادية للخطاب الأمازيغي ، وشتت انتباه الفاعل الأمازيغي ، وحد من فعاليته ، وديناميته ، وشل حركيته ، وحوله من عنصر فاعل ومؤثر في المشهد السياسي ، الى عنصر متأثر وساقط في الانتظارية ، وما تجود به قرائح التنظيمات المحسوبة على العداء للقضية الأمازيغية ، من أجل انصاف الأمازيغية في التعليم والمؤسسات والحياة العامة ، بواسطة القانون التنظيمي ، الذي يمكن تشبيهه ، بالسراب ، الذي يعد بمنابع المياه العذبة ، في مسيرة طويلة ، لمجتاز القفار المنتجة للظمأ الحار ، فبينما يسير المجتاز وهو يأمل أن يصل بسرعة الى ما يتوهمه ماء عذبا زلالا ، يبتعد السراب ، ويتنحى في الأفق البعيد ، ويطول الطريق اليه ، ويصير محفوفا بالمطبات والمخاطر ، فماهي الرهانات الأساسية الراهنة للحركة الأمازيغية ؟

سوف أبدأ بالرهان الأول والأساسي والمرتبط بتجديد الخطاب ،لاشك أن الحركة الأمازيغية مدعوة اليوم قبل الغد ، الى تجديد خطابها ، وضخ دماء جديدة في فعلها الثقافي الذي صار يستشرف الفعل السياسي ، بدون اعداد العدة اللازمة لذلك ، والمتمثلة في اعتقادي في ضرورة ايجاد تصور نظري ، يشكل بناء أو صرحا نظريا شاملا ومتماسكا ، لا يقطع مع المنطلقات والأهداف المسطرة في الوثائق التأسيسية، لكنه يجب أن يعمل على تنقيح الأساس الفكري والمنهجي ، الذي كان يرتكز عليه الفعل الثقافي الأمازيغي في مرحلة التأسيس ، وينطلق منه ليبلور المنطلق الجديد لخطاب أمازيغي جديد، متطور، ومحين، ومعاصر، يأخذ بعين الاعتبار لكل التحولات القانونية والاجتماعية والسياسية التي طرأت على المجتمع المغربي ، بدءا بالاستجابة لبعض المطالب الأمازيغية ، مثل مطلب الدسترة، مرورا بنتائج الحراك الشعبي ، الذي أفرز تلك التطورات الملموسة، خاصة ما يتعلق بالتعديل الدستوري الأخير، والذي يشكل منعطفا مهما في تاريخ الأمة المغربية، بكل مكوناتها الثقافية والسياسية ، هذا التصور النظري الجديد، والذي يؤمل أن يشكل قاعدة جديدة لتأسيس خطاب الجيل الثاني من المطالب الأمازيغية ، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار كل المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، المتفاعلة في البلاد ، والتي تؤثر على الحضور الفعلي للخطاب الأمازيغي، وتحد من فعاليته ، وتجعله منه مجرد خطاب متجاوز ناتج عن مرحلة يجب العمل على تجاوزها والقطع معها، للعودة من جديد، وعلى أساس تفاهمات فوقية ، غير منزلة في الواقع ، وغير قابلة للتنزيل على أرض الواقع ، الى نحت الايديولوجيات القديمة المرتبطة بمنطق الانتماء الوهمي الى فضاءات معينة ، وأوطان مفبركة ، جاهزة في المخيال الجمعي لقطاعات عريضة من المغاربة ، غير المندمجين على الأقل نظريا ، في الانتماء الى الأرض المغاربية ، بكل ماتعني الكلمة من ارتباط بالأرض والانسان والتاريخ ، تحت سوط الأدلجة ونتائج التنشئة المبتورة ، والمستلبة ، بيد أن زاوية النظر الى الأشياء ، بخصوص هذا الموضوع ، تحتم على الفاعل الأمازيغي ، أن يتنحى قليلا ، ليبتعد عن زاوية النظر التي ينظر منها هو الى الأشياء، سوف يكتشف، أن النظر الى القضية الأمازيغية ، بقدر ما يرتبط لديه بقضية مصيرية ، تهيمن على الفضاء المغاربي ، ترتبط بإشكالية كبرى، حضارية ، يمكن أن نطلق عليها ، قضية الهوية ، بقدرما يتم التغاضي عنها من طرف القطاعات المهيمنة على الشأن السياسي والاقتصادي بالبلاد ، وكذا من طرف القطاعات المهيمنة على بلورة الوعي السياسي ، والتي تعمل بدون أن يرف لها جفن، على تنميط الوعي الجمعي ، وتزييفه ، واجتثاثه من تربة وهوية المغارب ، وغرسه في تربة وهوية المشرق، الشيء الذي يجعل التحدي صعبا ، بل ويزداد صعوبة ، ويجعل بالتالي مهمة الفاعل الأمازيغي مضاعفة، فهو ليس مدعوا فحسب الى الدعوة الى تصحيح كل الاختلالات التي شابت مسألة كتابة تاريخ المغارب، أو الى العمل على اعادة تشكيل الوعي بالذات الثقافية للمجتمع الذي انفصل عن ذاته وهويته الأصلية منذ زمن بعيد، أو الى العمل على تصحيح التصورات النمطية والقيمية ، والحد من القمع الرمزي الذي يتعرض له الأمازيغ في وطنهم الأم، أو الى العمل على معالجة التمثلات التي ترسبت في اللاشعور الجمعي حول دونية الأمازيغية والانسان الأمازيغي، وسمو غيرها من اللغات البشرية ، والجماعات الناطقة بها ، ....الخ ، بل هو مدعو ، وبشكل مضاعف ، الى الانخراط بشكل ملتزم في مشروع ثقافي، مجتمعي ، ونهضوي يتوخى الانعطاف بالأمة المغربية والمغاربية نحو مستقبل معرفة الذات ، والانطلاق منها نحو الآخر، وهذه المهمة بقدر ماهي صعبة وشاقة ومضنية ، بقدرما تبدو في المتناول ، بل اني أعتقد أن أول خطوة يجب القيام بها في ذرب اعادة القطار المنحرف الى سكته الأصلية ، هو تطبيق مبدأ المغرب الأمازيغي ، والذي مافتئت الحركة الأمازيغية ، تقول به، بكل ما يعنيه من ربط لمصير الأمة المغربية بالأس الهوياتي الأمازيغي الذي يجب أن يكون المحور الذي تتمحور حوله باقي المكونات الثقافية الأخرى، المندمجة ضمن نسيج الانسية المغاربية ، الذي تشكل عبر تاريخ طويل، وهذا المبدأ يستدعي من الفاعل الأمازيغي تجاوز التشنج الأيديولوجي المبني على فرض الخصوصية ، والانطلاق لمعانقة الوطن والبدء باحتوائه، في كل تنوعاته وخصوصياته ، هذا المنظور الجديد ، يتطلب قدرا من الشجاعة الفكرية، والمنهجية، وقدرا عاليا من التسامح، وتقبل الآخر ، كما هو ، بالرغم من كل التباينات المفترضة ، والحاصلة في وجهات النظر ، حول قضايا كثيرة، خاصة منها التاريخ ، والهوية على سبيل المثال لا الحصر ، ، وهذا الأمر بدوره يتطلب اختراق المناطق اللهجية المعربة ،أي الانفتاح على المناطق المستعربة ، في الغرب ، المدن الوسطى ، الشمال والوسط والصحراء، اعمالا لمبدأ ثاني يتجسد في ذلك الشعار الذي مافتئت تنادي به الحركة الأمازيغية ، والمتمثل في مبدأ الأمازيغية لكل المغاربة، فعندما يشعر الآخر ، الذي ، يختلف مع الطرح الثقافي والتاريخي ، للمغارب ،الذي يتبناه الخطاب الأمازيغي التقليدي، أنه معني بتطوير هذا الجانب من ذاته ، وأن هذا الجانب يشكل مصدر قوته لاضعفه ، وأنه يشكل جزءا من خصوصيته التي من خلالها يستطيع أن يخاطب العالم ، وهو واثق من نفسه ، أنه آت من منطقة المغارب ، حينئذ ، ستكون العلائق آخذة في التجسير ، بحيث تنتفي ولو بشكل نسبي كل الجزر الثقافية التي تؤدي الى سيادة سوء التفاهم وكل ما يستتبع ذلك من خلق لبؤر التوثر ، التي لاشك في كونها لن تخدم القضية الأمازيغية ، ولن تخدم عموم الوطن في شئ ، بقدر ما سوف تخدم اجندات الاستئصاليين ، العاملة في الخفاء ، والمتواطئين مع الجهات الخارجية الرامية الى دمج المغرب والمغارب في مناخات ثقافية وهوياتية مشرقية ، موسومة بالتعالي ، تنظر الى المغارب من بوثقة التلميذ الساذج الذي يقلد المعلم في كل شئ بدءا من طريقة الحديث ، أرى أن الأمر مر تبط كذلك بالتنمية في كل أبعادها السوسيولوجية ، فشعار الأمازيغية والتنمية ، لا يجب أن يظل مجرد شعار طوباوي في غياب الموارد المادية المنوطة لتحقيق الاقلاع التنموي وتحرير الامكان البشري ، بل يجب أن يكون واقعا ملموسا ، على الأقل ، ومرحليا، بواسطة التوجيه ، وبذل النصح ، ونقل الخبرة والمعرفة والمعلومة.


الفقرة الثانية: رهان المشروع المجتمعي.(4)

ان التفكير في رهان المشروع المجتمعي للحركة الأمازيغي ، يستدعي ، فرز مجموعة من المعطيات ، السياسية ، والثقافية ، والاقتصادية ، والقانونية ، التي تفاعلت في المغرب في مرحلة مابعد الحراك الشعبي لسنة 2011 ، وهذه الرؤية المندمجة تتطلب من الفاعل الأمازيغي اعمال المقاربة الشمولية ، بقصد العمل على معالجة كل الاختلالات البنوية التي عرفها المغرب على جميع الصعد ، والتي كانت نتيجة اختيارات غير شعبية وغير وطنية .

من المعلوم ان النسق السياسي المغاربي لاتزال تهيمن عليه الأيديولوجية المشرقية، المتبناة من طرف قطاعات مجتمعية كبيرة، من الطبقات الحاكمة ذات العلاقة الوطيدة بحكومات البترو دولار، والتقنو قراط سلالة الأسر المورسكية العريقة، والبيروقراطية الإدارية، واللوبيات الاقتصادية المتنفذة، والفئات الشعبية المسحوقة التي تستهلك بدرجة عالية الخطابات المهترئة للأيدلوجية المشرقية ذات الارتباط بمواضيع، الهيمنة الامبريالية ، والإرهاب ، والقضايا الوطنية وغير الوطنية ، واستحضر هنا تحليل باحث فرنسي الذي قال ان البلدان المغاربية تتكون من اربع طبقات اجتماعية هي:

1- الحائزون على السلطة في اعلى هرم مؤسسات الدولة.
2 -المتحكمون في جهاز الدولة.
3- الذين يستفيذون من التحكم في جهاز الدولة.
4- الايتام والارامل والنساء القرويات والشباب العاطل والفقراء والمهمشون والجهال والمنحرفون...

مايمكن ملاحظته بهذا الخصوص ان هذه النظرية قابلة للتعميم على البلدان المغاربية مع بعض الاستثناءات بالطبع ، فكيف تستطيع الامازيغية جعل هذه الفئات تتبنى خطابها ،بمعنى آخر أن تتبنى خطابها وفق مقاربتها للقضية ، بيد ان ثمة مقاربة دولتية لتدبير ملف الامازيغية من طرف الحكام المغاربيين ، او على الاقل من طرف الفئة الرابعة ؟ التي تدغدغ عواطفها في الوقت الراهن الايديولوجية الدينية ، لأنها تستخدم الية الصراع حول الموارد ، ولو تحت ستار التدين والدعوة الى تطبيق الشرع، خاصة وكون هذا الخطاب يعتبر الى حدما في الوقت الراهن خطابا تقدميا متعاليا على الاستيعاب الشعبي، على عكس الخطاب الإسلامي الذي يستغل مجموعة من الاحداث المحلية والاقليمية والدولية لإلهاب مشاعر الناس، والملاحظة البارزة هي ان المسلمين لا أقول العرب فحسب ، يعانون من تضخم التحليل العاطفي على حساب التحليل العقلاني ، ثمة مجموعة من العوامل ساهمت في تكريس هذه الحقيقة في وجدان المسلمين في العصر الحديث، صحيح ان النخب تعترف بأهمية هذا الخطاب وتتجاوب معه ولو بتحفظ ، غير أنها في المقابل تعمل على نشر المغالطات التي تزيد من غرابة الخطاب الامازيغي في المجتمعات المغاربية ، ولهذا فما لم تتم أدلجة الخطاب الامازيغي وانزاله الى الشارع أعتقد أن الأمر لايعدو ان يكون خطابا نخبويا متعاليا ، وهذا لا يعني ان الأمر لا يخلو من الخطورة ، فالتهييج كما قال العميد محمد شفيق أمر سهل ،غير ان عواقبه قد تكون وخيمة ، أعتقد ان الأدلجة لابد منها والا صارت الامازيغية في خبر كان ، موقعها الراهن لا يؤهلها لخوض الصراع كحركة ثقافية ، ثمة صراع شرس يكتسي صبغة الصراع على الثروة والموارد ، تتصارع فيه الفئات المذكورة آنفا في إطار الأدلجة نفسها ، وهو صراع كما قال بيير بورديو يتخذ أشكالا عديدة في البلدان النامية قد يتحول الى حروب أهلية تحت عدة غطاءات أيديولوجية ، والفر قاء في صراعهم من اجل الموارد لا يتورعون عن استعمال وبكثافة الرموز الدينية والثقافية وكل أشكال التعبير المفضية الى تصفية الخصم السياسي وإلغائه.

لا ندماج الامازيغية في صراع الموارد وبالتالي اكتسابها للشرعية الايديولوجية التي تتوخى العمل على بناء دول قطرية قوية في كل من المغرب والجزائر وتونس وليبيا ، دول حديثة ، ديمقراطية ، ذات درجة من المأسسة عالية ، قوية البنيات الاقتصادية والثقافية ، قوية النخب السياسية ، قوية الأحزاب والمجتمع المدني ، ذات نسب تعلم مرتفعة ، ذات نسب نمو مرتفعة ، ذات ناتج وطني مرتفع ، وبعد بناء الدول القطرية القوية بالارتكاز على كل المكونات والطاقات والخصوصيات ، يمكن التفكير في خلق فضاء مغاربي للشراكة الاقتصادية وخلق سوق مغاربية ، في إطار اتحاد المغرب الكبير، وهذا لن يتأتى برأيي إلا بإنجاز التصور النظري التالي :

أ- أيديولوجية الدولة :

من المعلوم ان الايديولوجية الرسمية للدول المغاربية ،الايديولوجية العربية- الإسلامية ، وهي مرتبطة بشبكة من المصالح والمنافع السياسية والاقتصادية ، تتقاطع مع العقيدة الدينية والسياسية للحركات اليمينية واليسارية على حد سواء ، تتغذى من أدلجة الدين لصالح الاستمرارية السياسية للدول المغاربية ، واتخاذه مصدرا للشرعية السياسية ، لهذا فازدواجية الشرعية السياسية للحكم في البلدان المغاربية المتراوحة بين الشرعية التاريخية أو الثورية و الخلفية الثيوقراطية للذهنية المجتمعية المغاربية ، يجعل من العسير التفكير في أيديولوجية بديلة للحكم تراهن على فصل الدين عن الدولة ، في السياق الغربي جاء فصل الدين عن الدولة كنتيجة لإفلاس الكنيسة واندحار الإقطاع المتحالف معها من جهة وقوة الموناركيات وتصاعد البرجوازية الناشئة من جهة اخرى ، في المجتمعات المغاربية توجد الدولة المركزية ذات الطابع الشمولي في اطار أنظمة سياسية متباينة ، ترتكز على اقتصاد العائلات أو ما يسمى باقتصاد الريع ، هنا النخب السياسية والاقتصادية تصنع من طرف الحكم لكسب الولاء عن طريق توزيع الثروة من طرفه او ما أسماه ماكس فيبر النمط الباتريمونيالي للدولة ، هنا الايديولوجية الدينية غير متبناة من طرف جهة معينة بالذات ، لان الحكم والأحزاب والجمعيات الدينية تشترك في نفس التصور الديني للحكم ، مبني على نظرية الإمامة ، او نظرية الإسلام دين ودنيا ، برأيي يجب الإجابة على سؤال العلاقة الديالكتيكية بين الدين والدولة ، وتحديد فلسفة الحكم في اطار تصور للعلاقة بين القطبين تؤطرها إعادة فتح باب الاجتهاد ، حتى يتسنى للنص الديني الانفتاح على كل القراءات المحتملة والممكنة ، والتي تعتبر واقعية ،الفقهاء منذ القرن الرابع الهجري جعلوا النص الديني مغلقا على ذاته ،غير عابئ بما يدور حوله من تغيرات وتحولات جسيمة على جميع الصعد ،يريدون من الناس ان يقرؤوا النص الديني وفق بنيته المغلقة وبالتالي استنباط الأحكام المتعلقة بتفاصيل الحياة الاجتماعية منه على ضوء الاحتياجات المستجدة بالمنطق ذاته الذي قرأ به منذ 15 قرنا، وهذا في تقديري خطأ ، النص الديني في أصله منفتح على كل القراءات والآراء والا لماذا احتوى على الناسخ والمنسوخ؟ ولماذا تعددت المذاهب الفقهية ؟هذه التعددية يخشى منها الأصوليون كثيرا ، لأنها تسلبهم أسرار احتكار تأويل النص الديني ، الدول المغاربية تحت ستار التقليدانية والخلفية الثيوقراطية تمارس نوعا من التحديث ، يمكن للأمازيغية المراهنة على هذا التحديث ، الحركات اليمينية تعمل جاهدة من اجل الغاء الحكومات الحالية بدعوى أنها كافرة ، او غير شرعية ، أو لا تطبق النص الديني بحذافيره ، الأوضاع الدولية لاتدع للحكومات المغاربية متسعا تلتقط فيه أنفاسها فهي بين مطرقة العولمة وسندان الإرهاب ، الامازيغية توجد في الوسط ، عليها ان تذهب في دعم جهود التحديث التي تقوم بها الحكومات الحالية الى ابعد مدى ، وأن تحثها على ترسيخ الديمقراطية و الجهوية في أنظمتها السياسية ، للخروج من نفق هيمنة النخب المناوئة للتحديث على الحقل الديني ، والقرار السياسي .

ب ? الخيار الاقتصــــادي:

من المؤكد انه لابديل بالنسبة للبلدان المغاربية عن اتخاذ المغرب الكبير كأرضية لبناء سوق مغاربية مشتركة ، تتخذ كقاعدة للتعامل الإقليمي والدولي ، في اطار الاندماج في الاقتصاد العالمي عن طريق تبني نمط اقتصاد السوق ، والتخلي عن اقتصاد الريع ، هذه الأمور تستدعي حربا شرسة مع اللوبيات الاقتصادية المتربعة على عرش الاقتصاد المغاربي ، يستحيل في الوقت الراهن التفكير في زحزحتها لارتباطها بشبكات متنفذة في الحكم ، ولارتباطها كذلك بالشركات الاحتكارية العالمية الكبرى ، الاندماج الاقتصادي المغاربي في الوقت الراهن تعترض سبيله اسوارا عالية من عدم الثقة بين الأنظمة المغاربية ، المجتمعات طامحة الى الاندماج وترى فيه خلاصها ، المشاكل الحدودية ، وبالأخص مشكل الصحراء يلقي بظلاله على الاندماج المغاربي ، الحل المغربي( مبادرة الحكم الذاتي) يعد خطوة غير مسبوقة ، يمكن ان تساعد على فتح شهية الشعوب على المطالبة بالجهوية او الفدرالية بالمنطقة ، مما قد يساعد على حل هذه المشكلة ،وتحقيق الدمقرطة ، وبالتالي الانطلاق نحو الاندماج ، التحدي الذي لايزال مطروحا بحدة أمام الأنظمة المغاربية ، تساعد من حدته البنية المغلقة للأنظمة المغاربية ذاتها ، الروح الاستعمارية التي لاتزال حية في نفوس بعض الدول الغربية الجارة خاصة اسبانيا ، واكتساح العولمة وهيمنة شركات النفط الأمريكية العملاقة على بعض الحكومات المحلية، والتنافس المحموم بين الأنظمة المغاربية على الزعامة الإقليمية ، وتصدير المواد الأولية ، يجعل من الصعب التفكير في الاندماج ، الرهان يبقى بالنسبة للمجتمعات المغاربية مفتوحا على احتمال واحد هو : النضال من اجل بناء دول قطرية مغاربية ? جهوية او فدرالية قوية ، ترتكز على مفهــــوم الدولة ? الامة، كما تمت صياغته في السياق السياسي الغربي ، ومن ثمة التفكير في الاندماج المغاربي ، ومالم يتم بناء دول قطرية جهوية او فدرالية مغاربية قوية ، يعد من غير المعقول التفكير في الاندماج المغاربي.

الاشكالية الأساسية التي تعاني منها ليس المجتمعات المغاربية فحسب وإنما الإسلامية جمعاء، ألا وهي إشكالية التذبذب بين تطبيق الليبرالية الاقتصادية والتصورات المذهبية الإسلامية ،بالإضافة الى التطبيقات الخاصة لكل بلد على حدة ، في الغرب يتم تطبيق الليبرالية الاقتصادية في اطار الفلسفة العامة التي أفرزتها على المستوى السياسي، بما تعني من احترام المبادرة الفردية ، ورفع يد الدولة عن النشاط الاقتصادي ، في اطار التطبيق الواقعي للنظرية الاقتصادية في البلدان الإسلامية ، يستحوذ الحاكم على الثروات في اطار النمط الباتريمونيالي للدولة ، بالإضافة الى الخصوصيات المحلية التي شابت عملية تطبيق الليبرالية الاقتصادية ، من تأثير أنظمة اقتصادية محلية ، على النمط الاقتصادي للدولة ، كنظام الزكوات والأعشار والأوقاف الإسلامية والسياسات الاجتماعية المتباينة وغير الفعالة ، هذه العوامل تجعل من الصعب تطبيق الليبرالية الاقتصادية كما تمت صياغتها في السياق الغربي ، من المعلوم ان الاقتصاد السياسي في اطار النظريات الاقتصادية التي صاغها كبار المفكرين الاقتصاديين امثال جون مانيارد كينيز وجون باتيست ساي وادم سميث ، هي التي تؤطر النظام الاقتصادي في البلدان المغاربية ، بحكم تأثرها بالغرب خصوصا والعولمة عموما ، وانه لا توجد نظرية " للاقتصاد الاسلامي" حتى لو سلمنا بوجود اقتصاد إسلامي ومسيحي ويهودي و... لحد الساعة يمكن ان تقوم بديلا لنظريات الاقتصاد السياسي ، كما يدعي ذلك الإسلاميون ، غير ان تأثير الخصوصيات المحلية على النمط الاقتصادي الليبرالي المتبنى من طرف الدول المغاربية ، هو الذي يحد من فعالية هذا الاختيار، هذا دون الحديث عن تجربة الاقتصاد الاشتراكي التي خاضتها بعض البلدان المغاربية قبل ان تتحول الى النمط الليبرالي إبان انهيار الاتحاد السوفيتي.

هذه الدراسة كانت في الأصل عبارة عن محاضرة ألقيت في ندة نظمت بالكلية المتعددة الاختصاصات بتارودانت ، المنظمة من طرف طلبة الحركة الأمازيغية بالكلية المذكورة بتاريخ 25-04-2013.


تابعونا على الفايس البوك الجديد

 

 

 
تواصل
انشرها او انشريها على الفايس بوك
مقالات لنفس الكاتب محمد أيت بود
ارسل المقال الى صديق
مقال قرئ 5492

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 

1 التعليق رقم :
meriem بقلم :
amazigh تحت عنوان :
Unkwown البلد :
 
vive l'amazigh hier aujourd'hui et 2m1..... pour ts jour  
 

 

2 التعليق رقم :
عبدالرحمن العوني الحارثي بقلم :
لا للطائفية الشعوبية نعم للتسامح والتعايش تحت عنوان :
Unkwown البلد :
 
النضال على الثقافة الامازيغية شيء جميل ولكن لا ينبغي ادخال اشياء ليست منها اليها فهذا خطا استراتيجي في حق ابناء الامازيغية خاصتا على اعتبار حرف التيفيناغ الفينيقي اقول ما هذا التخبط الذي وقع فيه مثقفي الحركة الا ترون بتبنيكم هذا الحرف ستكونون سبب في انفصام شخصية الامازيغي المستقبلية خاصتا المثقفين منهم اقول دعو عنكم النعرات جانبا فهية لا تخدم اي احد من الفريقين ومن تجليا ت هذا النحلة الشعوبية الصور اعلها والتي تعبر على حقد دفين يدعو الى الكراهية واقصاء الاخر وهذا بالطبع لا يقره الجانب العربي المغربي وانا لا احابي احدا انا اريد جواب علمي ولا اريد اعادة تلك الاسطوانة المشروخة من السب والتنقيص لانني انا مغربي وافتخر سواءا كنت عربي او امازيغي او حساني او اندلسي وبدون مزايدات سلبية دغمائية  
 

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق 12lsya98 هنا :    
 

 

 

 

   
   
   
   
   
 

 

 

مقالات اخرى

مدینة أغمات: أم الحواضر المغربیة
بتاريخ : 2022-01-19 14:11:00 ---- بقلم : حسن عويد




الهويات المقتولة
بتاريخ : 2021-12-07 16:55:00 ---- بقلم : محمد بودهان






 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.