Français
English
 
 

صدقي علي أزايكو : الصفعة المضادة


أود أن أتحدث عن المرحوم "صدقي علي أزايكو 1942-2004" رمز الشموخ الامازيغي الذي لا يرضى الرضوخ. المفكر المجدد، المؤرخ الملتزم، والشاعر الذكي... أسس مدرسة في التأريخ وأحدث ثورة في الشعر و أسس فكرا أمازيغيا نقديا جديدا. إنه النبي الامازيغي الذي تعرض للمحاكمة الظالمة سنة 1981 بسبب كل هذا التجديد، على حد تعبير الفيلسوف "محمد بودهان". أود أن أتحدث عنه من خلال ما رواه لنا صديقه المؤرخ أيضا، والوزير الحالي لوزارة اللأوقاف والشؤون الإسلامية "احمد التوفيق" في الجزء الثاني من سيرته الذاتية تحت عنوان" والد وما ولد". تطرق فيها التوفيق في معرض حديثه عن يوميات حياته المدرسية الأولى في مراكش أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، حيث تعرف على صديق جديد في خريف سنة 1958 وهو "علي صدقي" الذي التحق هو الآخر في نفس السنة باعدادية محمد الخامس بمراكش. وساعدتنا رواية التوفيق في فهم جزء كبير من شخصية "صدقي علي" في مرحلة مهمة من حياته التي لا نعرف عنها شيئا مادام لم نقرأ بعد مذكراته، إن هو تركها طبعا.
نعلم أن "صدقي علي" عاش في اليتم منذ طفولته بسبب فقدان والده الذي توفي في حادثة سير حافلة نقل عمومي بمنعرجات "تيزي نتاست" بين مدينة تارودانت ومراكش، بداية الخمسينيات. ولكن لا نعرف الكثير من المعطيات حول انتقاله وإقامته في مراكش والرباط....الخ.

ميزة ازايكو الوحيدة التي تميزه عن الآخرين هي تملكه المبكر للوعي الثقافي الامازيغي وهو تلميذ في الإعدادي بمراكش، وذلك نتيجة ذكائه الثاقب وكثرة اطلاعه ومطالعته، هذا الوعي بأمازيغيته جعله يعاني وهو صغير السن، يقاوم غطرسة الفكر "العروبي" منذ نعومة أظافره.

يقول التوفيق في الصفحة رقم 204 :

"زاد من توتره في تلك الأيام أن مدير المدرسة ارتكب فعلة شنيعة، وذلك بأن صفع صديقه علي صدقي صفعة كان لها في نفسه أثر بليغ. صفعه لأنه تأخر بضع دقائق عن وقت دخول المدرسة (....)وهذا المدير في غاية الإعجاب عن نفسه....كان سبب ازدياد قلق الولد (أي أحمد التوفيق) أن صديقه علي يتيم شديد الحساسية لكل أنواع الظلم، يبدو أنه يسقط يتمه الشخصي على حال أهله الامازيغ، ومن ثمة فهو ميال إلى تفسير أوجه التفوق الثقافي الذي يدعيه الآخرون بأنه إرادة فرض تفوق عرقي. يشعر أن الظلم الذي يصدر من منطلق هذا النوع من الادعاء هو اشد أنواع الظلم والاذانة. ولم يحمل المضروب صفعة المدير إلا على ذلك المحمل وهذا ما سيدفع به إلى ترسيخ الاعتقاد بأنه هو وأمثاله من أمازيغ الجبل محقَرون جميعا من أهل المدن المحمولين على تغليب أنهم من العرب أصلا، ادعاء استعلاء وترفع، مع أن العدد الكبير من أهل المدن هم من الامازيغ.....وكان النقاش حول هذا الموضوع مستمرا بين الصديقين وكان علي صدقي يعيب على الولد قلة استحضاره لهذا الشعور في تفسير الأمور." انتهى كلام التوفيق.

لماذا صفع مدير المدرسة التلميذ صدقي علي ؟ جاء في نص الرواية أن هذا الأخير تأخر عن وقت الدخول. لكن الحقيقة هي عكس ذلك وهي الحقيقة التي فطن لها أزايكو، وهي أن المدير صفع التلميذ النجيب ازايكو بسبب موقف إيديلوجي لأنه كان متحمسا "للقومية العربية"، اسمه الكامل " عبد النبي بلعادل" وهو من الشباب الذين كانوا في حزب الاستقلال وخرجوا منه بعد 56 وانظموا إلى تيار "عبدالله ابراهيم"، بل كان المدير من أصدقاءه ومن المقربين منه جدا بحكم أنهما جميعا أبناء مدينة مراكش. حيث قام "عبدالله ابراهيم" حين كان وزيرا أولا في الحكومة بزيارة خاصة للمؤسسة التي يدرس بها ازايكو والتوفيق...إذن المدير كان ينتمي إلى التيار العروبي اليساري المنشق عن حزب الاستقلال سنة 59...جاء في رواية التوفيق، ما يلي :"......فالولد المصفوع كان يرى أن السماء قد تصرفت بعدل عندما وقع إلقاء القبض في الأيام الموالية على أحد أصحاب المدير، شريكه في الأفكار التقدمية، أو "التأخرية " كما كان يسميها علي صدقي...ابتهج لان ذلك يدخل نكدا على المدير."

يتضح بجلاء، أن مدير المؤسسة يعلم بمواقف "صدقي علي" الذي كان لا يضمر أي شيء..خاصة وانه كان تلميذا مجتهدا ومتفوقا حيث يتحدث التوفيق في روايته أن المدير والأساتذة كانوا يسعون إلى استقطاب التلاميذ للانضمام إلى توجهاتهم السياسية والايديولوجية خاصة وأنهم كانوا جلهم أجانب من مصر ولبنان وفلسطين ...أوطان القومية العربية الناصرية والبعثية ومهدها...لنقرأ ماذا حدث ل"صدقي علي" مع احد أساتذته المصريين. دائما من رواية التوفيق احمد" والد وما ولد":

"زاد المدرسون المصريون اعتدادا بتلك الزيارة....وبلغ به الحماس إلى حد ارتكاب حماقة ما فتئ يحاول التكفير عنها. ذلك أن التلميذ علي صدقي ذكر في أيام المؤتمر اسم عبد الناصر بأنه سليل الفراعنة..فما كان من الأستاذ الأزهري، إلا أن قام من مقعده وقصد التلميذ ونهره وصرخ في وجهه مغضبا وهو يقول له" عبد الناصر أشرف من أبوك" هكذا...كان ذلك الخطأ دفعا جديدا لعلي صدقي في اتجاه مزيد من الانطواء على النفس واحتداد مشاعره الوطنية الامازيغية في تأويله الخاص للتاريخ، ودون أن يذكر تلك الشتيمة من المدرس المصري والصفعة الظالمة السابقة من مدير المدرسة المشهور بميوله العروبية حسب تعبير صدقي، كان يقول للولد" إن أصل هذا الظلم بدأ مبكرا باهانة في عهد عقبة بن نافع، تلك الاهانة التي لحقت زعيم الامازيغ الذي أراد من أوقعوه في الأسر أن يهينون فكلفوه من الأفعال ما لا يليق بكبراء القوم ، ولقبوه "كسيلة" استهزاء، وأغفلت الكتب اسمه الحقيقي عن قصد." انتهى كلام الوزير احمد التوفيق.

من المؤكد انه اتضح كل شيئ من خلال شهادة احمد التوفيق وهو يتحدث عن سنة 1961 حيث كان عمر صديقه علي صدقي لم يتجاوز 19 سنة. وهو تلميذ يقاوم عبر كل الجهات، يتيم الأب يسكن وحيدا في غرفة سفلية مظلمة في فندق يعرف بمقهى بوالزيت داخل المدينة العتيقة مراكش، وهو فندق ينزل فيه التجار ويبيعون فيه المواد الفلاحية...يقاوم اخطر شيء كان يعاني منه وطنه المغرب وهو الاستلاب الثقافي والهوياتي عن طريق تزوير التاريخ. وبسبب ذلك كرس كل حياته للتصحيح

تصحيح الفكر وتصحيح التاريخ...بالاجتهاد والتأويل الممكن.


الكاتب: عبدالله بوشطارت

بتاريخ : 2017-09-12 17:20:00

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 4023 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق r07m3agt هنا :    
 

 

 

 

   
   
   
   
   
 

 

 

مقالات اخرى

 
دارناطينوس : المحارب الامازيغي
في غالب الاحيان , يتجه التاريخ لإبراز معالم و شخصيات أناس لم تكن إنجازاتهم الوحيدة سوى أنهم تقلدوا منصاب عليا و مراتب شريفة على ظهور أشخاص يعتبرون تاريخيا ثانويين و غير ممجدين أصلا رغم عظمتهم في عصورهم الذهبية بين أبناء جلدتهم و حتى عند من تلقدوا مناصب عليا , قد يتناسى التاريخ ذكرهم بل قد ينساهم اصلا ... بقلم : يحيى بودهان بتاريخ : 2018-04-11 07:17:00

 

 
محمد مونيب ونهاية أسطورة "الظهير البربري"
كانت حياة الأستاذ محمد مونيب، كما يعرف الجميع، حافلة بجليل الأعمال والمنجزات والعطاءات والنضالات. وسيكون من المجحف الحديث عن هذه الشخصية الفذّة في دقائق معدودة. ولهذا سأكتفي، في هذه الكلمة التأبينية، بالتذكير بأحد منجزاته الذي أصبح يُعرف به كعلم في رأسه نار، كما يقول التعبير العربي، وهو كتابه "الظهير البربري، أكبر أكذوبة سياسية في المغرب المعاصر"، والذي حظيت بشرف كتابة تقديم له. ... بقلم : محمد بودهان بتاريخ : 2018-04-09 14:57:00

 

 
جنازة الحسين الملكي و تغير طقوس الدفن بالرباط
طقوس دفن الموتى في المغرب الحالي تخضع لتقاليد لم تنفتح للدراسات الموضوعية التي تجعلها تتعرض للنقد، ويشملها الوعي، والتجديد الذي يشمل الحياة العامة للسكان المعاصرين، ولاشك أن دهشة الموت والخوف والرعب الذي يترتب عنه هي أسباب كون موضوعها يسيطر عليه بعض من يستفيدون منه ويستغلونها لنشر الشعوذة..... بقلم : احمد الدغرني بتاريخ : 2018-04-05 15:04:00

 

 
وفاة الحسين الملكي مجدد القانون العرفي بالمغرب
لقد مات الحسين الملكي يومه 2 ابريل 2018 وشاءت الأقدار أن أزوره بالمصحة التي فارق فيها الحياة بالرباط، قبيل وفاته بساعتين فقط، وبوفاة هذه الشخصية فقدالشعب صاحب نظرية الكد والسعاية، المعروفةً في الأعراف الأمازيغية باسم TamazzaltأوTighrad، ... بقلم : احمد الدغرني بتاريخ : 2018-04-05 14:55:00

 

 
ابراهيم اخياط شهيد أزمة البرد والإهمال
توفي صباح اليوم 7 فبراير 2018المرحوم ابراهيم اخياط،وهو من شخصيات الثقافة والنضال الأمازيغي بالمغرب، وهو يستحق أن نشرفه بالكتابة،وقد تعرفت عليه في حي باب دكالة بمدينة مراكش سنة 1968،عند ما كنت تلميذا في قسم البكالوريا في معهد ابن يوسف ،قرب منارة الكتبية المشهورة ... بقلم : احمد الدغرني بتاريخ : 2018-02-12 09:50:00

 

 
فاضل المسعودي وإبراهيم أخياط ورسائل الوحدة الامازيغية في الممات
شاءت الاقدار رغم قوة وقعها ونزولها إلا أن تكون رسالة عناد أمازيغي حتى في خطها لصفحات الموت والرحيل، بوفاة هرمين أمازيغيين لا تفرقهما إلا ساعات، فبعدما صعقنا بوقع خبر وفاة المناضل الامازيغي الليبي فاضل المسعودي،... بقلم : حمو حسناوي بتاريخ : 2018-02-08 17:11:00

 

 
فيدرالية امازيغية تعزي ابراهيم أخياظ احد اقطاب الحركة الامازيغية
تلقى المكتب الفدرالي للفدرالية الوطنية للجمعيات الأمازيغية خبر وفاة المناضل الأمازيغي ابراهيم اخياظ الذي وافته المنية صبيحة هذا اليوم الأربعاء 07 فبراير 2018.... بقلم : الفيدرالية الوطنية للجمعيات الأمازيغية بتاريخ : 2018-02-07 21:10:00

 

 
محمد منيب شهيد علم التاريخ
في يوم 16 غشت 2016م من العام الماضي ذكرت أنه على الحركة الأمازيغية أن تعمد إلى تكريم كوادرها و جيلها المعدني النفيس ، ضمنهم " شهيد علم التاريخ محمد منيب" وشهداء قبله كعلي صدقي أزايكو (عام من السجن بسبب مقال) وشهداء آخرون سيأتون من بعده كأحمد شفيق وأحمد الذغرني ومحمد بودهان ومصطفى قادري ومصطفى أوعشي وعلي حرش الراس وآخرون كثيرون...... بقلم : رشيد بولعود بتاريخ : 2017-12-06 19:48:00

 

 
محمد منيب محرّر الأمازيغ من عقدة "الظهير البربري"
الناس عابرون، والزمن يرسم آثاره على الأجساد والنفوس قبل أن تتلاشى، لكن عبور الناس في الزمن والتاريخ لا يعني النهاية، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يترك أثرا خالدا، بحكم اشتغاله بالرمزي، وإعادة تشكيله لذاته ومحيطه.... بقلم : أحمد عصيد بتاريخ : 2017-12-04 21:16:00

 

 
وفاة محمد منيب احد أعلام الأمازيغ بسوس - المغرب
توفي اليوم 3دجنبر2017 أحد أقطاب الأمازيغية والأمازيغ بسوس محمد منيب،مؤلف كتاب "الظهير البربري أكذوبة"،والموت هو مصير كل الأحياء،ولانحتاج الى النعي والحزن،والمجد والعز الذي تركه محمد منيب هو العزاء العميق لعائلته الصغيرة ،زوجته وأولاده ،وإخوته، والعزاء لنا نحن أصدقاؤه،ونحن المعترفون بجميله،وخدماته الجليلة لثقافة الأمازيغ، ومشروعهم الثقافي والسياسي،... بقلم : احمد الدغرني بتاريخ : 2017-12-04 10:46:00

 

 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.