Français
English
 
 

محمد منيب محرّر الأمازيغ من عقدة "الظهير البربري"


الناس عابرون، والزمن يرسم آثاره على الأجساد والنفوس قبل أن تتلاشى، لكن عبور الناس في الزمن والتاريخ لا يعني النهاية، فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يترك أثرا خالدا، بحكم اشتغاله بالرمزي، وإعادة تشكيله لذاته ومحيطه.

غادرنا محمد منيب تاركا أثارا قوية وعميقة في نفوس الكثيرين وأذهانهم، لقد علم جيلا بكامله بأن الماضي القريب أو البعيد لا يمكن أن نتملكه إلا بمعرفته الدقيقة، ولا يمكن تحقيق تلك المعرفة إلا بالبحث والتنقيب في الوثائق الأكثر ندرة والأقل شيوعا، والتي تخفي الوجه الآخر من الأشياء.

كانت الفكرة المؤرقة لمحمد منيب منذ عقود طويلة هي تصحيح التاريخ الوطني الحديث، وخاصة الذي ارتبط بفترة الحماية، هذا التاريخ الذي تم تنميطه على أساس إيديولوجيا حزبية قامت بانتقاء ماكر لعناصر بعينها، وتغييب الكثير من المعطيات والوقائع والوثائق خلف ستار سميك ظلت تحرسه الدولة الوطنية المركزية لعقود، ونجم عن هذا المونتاج الإيديولوجي سياسة الميز التي اعتمدتها الدولة ضدّ الأمازيغ والأمازيغية على مدى نصف قرن قبل أن تبدأ المصالحة المتعثرة سنة 2001، ثم الترسيم الموقوف التنفيذ سنة 2011.


ولد محمد منيب في 9 أكتوبر 1934 بأكادير، وكبر وعاش في هذه المدينة التي واكب أمجادها وعانق أوجاعها ومحنها على مدى 83 سنة، التحق موظفا بالبلدية وهو في سن السادسة عشرة من عمره سنة 1948، وساهم في إعالة أسرته رغم إمكانياته المحدودة، ثم بفضل احتكاكه بالأرشيف الاستعماري لمرحلة الحماية، وعمله بالإدارة إلى حين تقاعده استطاع في وقت مبكر أن يضع يده على مكامن الخطأ في الكثير من الخطابات السائدة عن تلك الفترة من تاريخ المغرب.

في سنة 2002 أصدر محمد منيب كتابه "الظهير البربري أكبر أكذوبة سياسية في المغرب المعاصر"، وهو الكتاب الذي أحدث خضّة حقيقية في الساحة الثقافية والسياسية بما تضمنه من معطيات لا يعرفها الكثير من المغاربة، والتي تظهر خفايا السياق التاريخي لتوقيع وثيقة الظهير المذكور ولنشأة الحركة الوطنية المغربية.

في سنة 2004، أنشأ محمد منيب بمبادرة منه حركة "تيضاف" أي "اليقظة"، التي كانت مهمتها مراقبة محتويات الكتب المدرسية التي تتضمن تحريفا لتاريخ المغرب بسبب تغليب روايات غير علمية ومحض إيديولوجية ولا أساس لها في الوثائق والمعطيات الفعلية. وقد أقدمت حركة "تيضاف" في نفس السنة على رفع دعوى قضائية ضدّ وزارة التربية الوطنية بسبب ما ورد في درس حول المقاومة المغربية ونشأة الحركة الوطنية من فبركة وتدليس بعيدين عن النهج العلمي والاختيار البيداغوجي السليم. وقد قدم محمد منيب للترافع في هذه القضية ما يزيد على 120 صفحة من المعطيات والوثائق التي تفند الرواية الرسمية عما سمي بـ"الظهير البربري" الواردة في الكتب المدرسية. وتم نشر هذه المرافعة في كتاب يحمل عنوان "الظهير البربري في الكتاب المدرسي" صدر سنة 2010، ويتضمن هوامش ونصوصا غنية تكشف الكثير من الأبعاد المغيبة في الرواية الرسمية ـ الحزبية لبداية المرحلة الكولونيالية.

وبسبب هذا الضغط المدني الفعال وغير المسبوق الذي قاده السيد محمد منيب بصبر وأناة، تغيرت الكثير من المضامين الدراسية المفبركة واختفت من الجرائد الحزبية عبارة الـ"الظهير البربري" وكذا الرواية التي كان يعاد نشرها في 16 ماي من كل سنة، خاصة في جرائد "العلم" وL’opinion وLe Matin.
أما إسهام محمد منيب في شحذ الوعي التاريخي الأمازيغي فقد كان من خلال قيامه بالمهام التالية التي كانت تنقص النقاش العمومي:

ـ الكشف عن خطأ التلفيق في تسمية "الظهير البربري"، حيث أبرز منيب عدم وجود وثيقة تحمل هذا الإسم، مذكرا بالإسم الحقيقي الذي هو "الظهير المنظم للشؤون العدلية في المناطق ذات العوائد البربرية"، وهي تسمية تغير الكثير بالطبع، وتختلف عن تلك التي وضعها رواد الحركة الوطنية وروجوها في الصحافة والبيانات منذ بداية الثلاثينات.

ـ التمييز بين النص الأصلي للظهير وبين تأويلاته السياسية، حيث روج الوطنيون بأن الظهير يهدف إلى "التفرقة بين العرب والبربر" في المغرب كما يرمي إلى "تنصير البربر"، بينما كشف السيد منيب بأن الظهير لم يوضع على أساس إثني أو عرقي بل من منطلق ترابي كان موجودا قبل مجيء الحماية بكثير، وهو الذي تم التمييز بموجبه بين المناطق التي تعتمد الأعراف الأمازيغية والمناطق التي تخضع للمحاكم الشرعية المخزنية في المدن وما جاورها، وهي وضعية لم يصنعها الفرنسيون بل وُجدت منذ قرون طويلة، وطالبت القبائل بترسيمها.

ـ أما موضوع "تنصير البربر" فقد كشف السيد منيب عن أنه كذبة مكشوفة لجأ إليها الوطنيون ـ كما شهد بذلك فيما بعد الراحل أبو بكر القادري نفسه في حواره مع جريدة الأحداث المغربية سنة 2000ـ بهدف تحريك العامة، بينما يخلو نص الظهير كليا من أي موضوع له صلة بالدين، حيث كان الظهير يحدد مهام المحاكم العرفية الأمازيغة ولا يدخل في موضوع المعتقد إطلاقا. كما كشف السيد منيب على أن البعثات التبشيرية وُجدت بالمغرب منذ الخمسينيات من القرن التاسع عشر ولا علاقة لها بالظهير الذي لم ينصّ عليها ولم يُشر إليها لا من قريب ولا من بعيد.

ـ كشف السيد منيب بالوثائق كذلك على أن إقرار محاكم عرفية أمازيغية كان تقليدا متبعا من طرف السلاطين المغاربة السابقين على فترة الحماية بقرون، والذين كانوا يقرون هذه المناطق على أعرافها التي كانت في كثير منها لا تعتمد الأحكام الشرعية الإسلامية بقدر ما كانت تحكم بالغرامات دون العقوبات الجسدية. كما كشف عن معطى أساسي تم تغييبه من المدرسة والسكوت عنه في الصحافة الحزبية، وهو أن إقرار المحاكم العرفية الأمازيغية كان بطلب من القبائل المقاومة التي كانت تطالب خلال المفاوضات من أجل وضع السلاح والقبول بـ "التهدئة" عدم إلحاقها بالقضاء الشرعي المخزني الذي كانت القبائل تعتبره مصدر ظلم كبير. وهو ما وافق عليه السلطان مولاي يوسف بتوقيعه على النسخة الأولى من الظهير في بداية فترة الحماية.

ـ لقد أسهم عمل السيد منيب بجانب ما ذكرناه في إنهاء احتكار جزء من تاريخنا من طرف بعض النخب الحزبية التي نصبت نفسها وصية عليه، تمتلك لوحدها الرواية الرسمية وتحرسها بكثير من الإصرار والعنف اللفظي أحيانا. كما ساهم في إنهاء سنوات الرصاص الأمازيغية التي كانت تجعل من شبهة العودة إلى "الظهير البربري" سيفا مسلطا على رقاب الأمازيغ كلما طالبوا بحقوقهم اللغوية والثقافية.

بجانب هذا كله كان محمد منيب حاضرا في كل المحطات الكبرى للنضال الأمازيغي بالمغرب، سواء على الصعيد الوطني أو الدولي، وكان بيته ملتقى للمناضلين من مختلف المشارب والتوجهات ومن مختلف بلدان المغارب والدياسبورا، كان كريما إلى أبعد الحدود، وحكيما إلى أبعد الحدود، يعطي رأيه في تواضع وهدوه يدفعان دفعا إلى التفكير وإعادة النظر في كثير من البديهيات الرائجة، حتى لدى الحركة الأمازيغية نفسها. ولم يكن محمد منيب مساهما بأفكاره فقط، بل بماله أيضا، حيث كان يدعم بدون تردّد كل تظاهرة أو منشور أو مبادرة تنظيمية ـ جمعوية أو طلابية ـ هادفة إلى إعادة الاعتبار للأمازيغية هوية ولغة وثقافة.

ولأن محمد منيب لم يكن شخصا عاديا بمدينة أكادير، بل كان من صناع مشهدها الثقافي ـ الفكري والسياسي، فإن إطلاق إسمه على إحدى الفضاءات بالمدينة أمر ضروري ينبغي أن يعمل على تحقيقه المنتخبون ونشطاء الحركة المدنية.

تعازينا في رحيل الفقيد، لعائلته الصغيرة والكبيرة.


الكاتب: أحمد عصيد

بتاريخ : 2017-12-04 21:16:00

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 7208 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق f62aihc2 هنا :    
 

 

 

 

   
   
   
   
   
 

 

 

مقالات اخرى

 
محمد منيب شهيد علم التاريخ
في يوم 16 غشت 2016م من العام الماضي ذكرت أنه على الحركة الأمازيغية أن تعمد إلى تكريم كوادرها و جيلها المعدني النفيس ، ضمنهم " شهيد علم التاريخ محمد منيب" وشهداء قبله كعلي صدقي أزايكو (عام من السجن بسبب مقال) وشهداء آخرون سيأتون من بعده كأحمد شفيق وأحمد الذغرني ومحمد بودهان ومصطفى قادري ومصطفى أوعشي وعلي حرش الراس وآخرون كثيرون...... بقلم : رشيد بولعود بتاريخ : 2017-12-06 19:48:00

 

 
وفاة محمد منيب احد أعلام الأمازيغ بسوس - المغرب
توفي اليوم 3دجنبر2017 أحد أقطاب الأمازيغية والأمازيغ بسوس محمد منيب،مؤلف كتاب "الظهير البربري أكذوبة"،والموت هو مصير كل الأحياء،ولانحتاج الى النعي والحزن،والمجد والعز الذي تركه محمد منيب هو العزاء العميق لعائلته الصغيرة ،زوجته وأولاده ،وإخوته، والعزاء لنا نحن أصدقاؤه،ونحن المعترفون بجميله،وخدماته الجليلة لثقافة الأمازيغ، ومشروعهم الثقافي والسياسي،... بقلم : احمد الدغرني بتاريخ : 2017-12-04 10:46:00

 

 
صدقي علي أزايكو : الصفعة المضادة
أود أن أتحدث عن المرحوم "صدقي علي أزايكو 1942-2004" رمز الشموخ الامازيغي الذي لا يرضى الرضوخ. المفكر المجدد، المؤرخ الملتزم، والشاعر الذكي... ... بقلم : عبدالله بوشطارت بتاريخ : 2017-09-12 17:20:00

 

 
المغرب : الفنانة و الشاعرة الأمازيغية صفية أوتلوات ترحل في صمت!
انتقلت صباح يوم الأربعاء 10 ماي 2017 على الساعة الحادية عشر و نصف إلى دار البقاء الفنانة و الشاعرة الأمازيغية صفية أوتلوات عن عمر يناهز 71 سنة بعد معاناة و صراع طويل مع مرض السل، لتورى الثرى في نفس اليوم بعد صلاة الظهر بمسقط رأسها بتلوات.... بقلم : مصطفى مروان بتاريخ : 2017-05-17 08:49:00

 

 
رحيل الفنان الامازيغي في الحكرة: الفنانة صفية أولت تلوات المشهورة باغنية "اوا سييح اتاونزا"
توفيت منتصف اليوم الأربعاء 10 ماي 2017 الفنانة الأمازيغية الرايسة صفية أولت تلوات التي تقطن بمنطقة تلوات بالأطلس الكبير. توفيت بمنزلها بتلوات عن عمر يناهز 78 سنة، بعد صراع مع المرض منذ أكثر من سنة أدخلت مرتين احدى مستشفى عمومي بمراكش. ... بقلم : امازيغ وولد بتاريخ : 2017-05-11 11:09:00

 

 
الفنان زايد أوحديدو
الاسم الكامل: واهروش زايد اللقب الفني: زايد أوحديدو من لقبه بهذا اللقب : أهل الفن بعين اللوح التاريخ الذي أطلق عليه هذا اللقب لأول مرة: حوالي سنة 1953... بقلم : حمزاوي عبدالمالك بتاريخ : 2017-03-13 15:45:00

 

 
الكولونيل جيستينار... القبطان الشلح
بالرغم من الدور الهام الذي لعبه العسكري الفرنسي ليوبولد جيستينار في تاريخ الجنوب المغربي بما في ذلك عمله على توثيق جانب مهم من التراث الأمازيغي بمنطقة سوس، إلا أن البحث العلمي أهمل هذه الشخصية باستثناء الكتاب الذي أصدره الباحث رشيد أكرور حوله وما كتبه الباحث كلود لوفيبير في معجم المستشرقين وما نشره الباحث جامع بيضا في موسوعة معلمة المغرب.عودة إلى مسار هذا العسكري الفرنسي الاستثنائي. ... بقلم : رشيد نجيب بتاريخ : 2016-07-25 07:55:00

 

 
أحمد الزياني... سنةُ الرَّزية
عرفته أكثر من ثلاثة عقود... عرفتُه رجلاً هادئاً رزيناً منصتاً ... عرفتُه قارئاً نهِم القراءة، عميق التفكير ... عرفتُه شاعراً مبدعاً حافظاً لشعره محسناً للقول والإلقاء... عرفتهُ فناناً جياش القريحة عذبَ النغمة والإيقاع... عرفتُه إنساناً متسامحاً متفهِّماً محترماً للآخر ومنفتحاً على الثقافات واللغات والحضارات... عرفتُه أمازيغياً منغرساً حدّ النخاع في أرضه وثقافته الأمازيغية... ... بقلم : عبد السلام خلفي بتاريخ : 2016-07-18 07:01:00

 

 
محمد شاشا فنان الجزر الجعفرية
لاشك ان عودة الامازيغ نساء ورجالاالى كتابة لغتهم وتدوين كتبهم بها، وتسمية مواليدهم بأسماء مقتبسة منها، والعودة الى حضارتهم القديمة ستكون أسبابا طبيعية للرجوع الى التذكير بمراسيم الدفن (les rites funéraires ) المعروفة ببلادهم منذ ماقبل التاريخ، ولعل هذا هو ما ارد الكاتب والفنان الامازيغي محمد شاشا ان يترك به وصية لشعبه بان يدفنوه بدون غسل ولا صلاة على مذهب الامام مالك العربي من قبيلة قريش، والذي هو نفسه يفتي ببطلان تلك الصلاة اذا أداها المنافقون. ... بقلم : احمد الدغرني بتاريخ : 2016-07-04 22:04:00

 

 
معتوب لونيس، مدرسة النضال الأمازيغي
بحلول يوم الخامس و العشرين من شهر يونيو هذه السنة تكون ثمانية عشر سنة قد مرت على اغتيال أحد أبرز وجوه التحرر الثقافي والهوياتي بشمال أفريقيا، إنه رمز التحدي الأمازيغي في أجل وأقوى صوره، انه الراحل الذي جعل القضية الامازيغية قضيته الاولى وعاهدها على الموت من أجلها، انه المناضل الذي تجاهل لغة التهديد وسياسة الاختطاف، انه المناضل الذي حمل القيثارة الرشاشة، انه صاحب الحنجرة التي تزرع الأمل وتحيي الصمود، انه المناضل الذي لم يستسلم للاغراءات بعد ان تحدى قبلها الوعيد.... بقلم : لحسن أمقران بتاريخ : 2016-06-30 15:42:00

 

 

جميع المقالات والمواضيع المنشورة في الموقع تعبر عن رأي أصحابها وليس للموقع أي مسؤولية إعلامية أو أدبية أو قانونية.

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.