Français
English
 
 

الثقافة الموروثة والثقافة المكتسبة


الثقافة الموروثة كلمة ذات مدلول كبير وواسع يحمل معه كل ما نرثه من الماضي القديم بسلبياته وإيجابياته وإنعكاسات هذا الماضي في حياتنا اليومية وترجمتنا للعيش فيها. يحمل معه العادات والتقاليد واللغة والأخلاق والقيم والآداب والعيب والحلال والحرام وحتى الدين لأن الدين هو جزء من ثقافتنا وليس العكس وكذلك المعرفة والإطلاع والإدراك بتاريخنا وفلسفتنا في الحياة بشكل عام ولكننا نسميها الثقافة الموروثة لإننا لم يكن لنا حق الإختيار في إتباعها وبدون ضرورة إقتناعنابها. نولد في أسرة ومجتمع هما من يرسمان الطريق الذي علينا السير فيه وإتباعه إبتداء منالمراحل الأولى من طفولتنا أما الثقافة المكتسبة فهي تختلف عن تلك الموروثة حيث يكون لنا فيها حق الإقتناع ومن تم الإختيار في إتخاد ما نريد تبنيه منها وما نرفضه، وهذا قد يضعنا حتى في مواجهة مع الأسرة والمجتمع بشكل عريض.فقد نرفض بعض من عاداتانا وتقاليدنا وحتى ومعتقداتنا وقد يقودنا هذا الرفض إلى العصيان والثورة عليها أي أننا عندما نتبنى الثقافة المكتسبة قد نكون في موقف معارض ومخالف للثقافة الموروثة وهذا عادة ما يحدث بعد أن نبداء إدراك الأشياء وبحرية التعرف والإقتناع والسؤال والحصول على الإجابة بإقتناع.

ففي مجتمعاتنا والتي يسيطر عليها التفكير الأحادي يصعب فيها التعبير بمنطق الثقافة المكتسبة. فالثقافة المكتسبة هي وليدة ونتيجة لما يكتشفه ويتعلمه الإنسان من تجاربه الشخصية والتي تربطه بواقعه وبالطريقة التي يرى كيف يمكنه تفسير الأموروقد تكون أيضآ إنتقادية وتصحيحية للماضي .وهنا تبداء المواجهة مع التقاليد والأعراف في هذه المجتمعات ذات الفكر الأحادي.


وكثيرآ ما نجد البعض ممن إطلعوا على الأفكار الفلسفة العصرية والحديثة كالماركسية والوجودية وغيرها من الفلسفات والتي برزت في القرن التاسع عشر والقرن العشرين إلا أنهم مازالوا مكتوفي الأيدي نتيجة للسيطرة التاريخية والفكر الأحادي القومجي العروبي والذي لا يرى ولا يعترف بالتغيير والحركة المستمرة التي ترافق ديناميكية التاريخ ولا يؤمن بالدياليكتية التاريخية وذلك لأنهم من الناحية النظرية هم يؤمنون أن واقع مجتمعهم متخلف وبحاجة ماسة ومستعجلة إلى الدفع به نحو التغير، غير أنهم من الناحية التطبيقية نجد أنهم تنقصهم الشجاعة والرغبة في مواجهة هذا المجتمع والوقوف (بإحتشام) ضد نظرته المتخلفة ويجدون المبررات الواهية لعدم التعرض لها ويطالبون بتأجيل ذلك حتى "تنضج الظروف" وتكون ملائمة...!!!! ولكن السؤال هو متى ستكون هذه المجتمعات ناضجة وجاهزة لقبول هذا التغيير إذا لم يقم هؤلاء المُنادون "نظريا" بالتنوير والتغيير وإدخال الحداثة؟

إذا لم يقم هؤلاء بالمناداة بالتغيير والتنوير وإدخال الحداثة فإن المجتمعات ستبقى ساكنة في موقف ستاتيكي بل وأكثر من ذلك ستبداء هذه المجتمعات في الرجوع والحركة إلى الوراء وإلى التخلف...وهذا هو الشيئ الذي تدفع له المجموعات المختلفة من إسلاميين وعروبيين بما يسمى الصحوة الإسلامية والعربية.

لا نستطيع نكران أن الديانات جائت في فترات زمنية تختلف عن واقع عصرنا اليوم...فيعيش الإنسان اليوم في عصر قطع فيه أشواط كبيرة لمعرفة هذا الكون من علوم فضاء وطب وبيوكيمستري وهندسة وتمكن من إرسال مركبات فضائية إلى الكواكب المجاورة للكوكبنا(حيث قام بإرسال مركبة فضائية (أكثر من مرة بإنسان إلى سطح القمر وإرجاعه إلى الأرض منذ أواخر ستينات القرن الماضي وقام بإرسال مركبات وبدون إنسان إلى كوكب المريخ) كما أنه قام بعمليات ناجحة في الإستنساخ (النعجة دوللي في شهر يوليو 1996) علاوة على محاولاته المستمرة في إستنساخ بعض أعضاء الجسم لإستخدامها في عمليات علاج الأعضاء المريضة في جسم الإنسان.وكذلك ما تم تحقيقه في علم الإتصالات والمعلوماتية من أجهزة مختلفة من كمپيوتر وموبايلز.


طبعآ كل هذا يُبين أن الإنسان يقوم بدوره الطبيعي في هذا الكون الذي لابد من إكتشاف أسراره العميقة وهذا الدور بداء منذ بدء الخليقة ووجود الإنسان على سطح هذه الأرض.وهذا في حد ذاته لا ينقص أبدآ من قدرة الخالق الذي خلق الإنسان بعقل ليكتشف هذا الكون....وكما ذكرت فإن الديانات السماوية جائت في ظروف زمنية ومكانية كان الإنسان في بداية إكتشافاته وتعرفه على هذا العالم ومن تم الكون "الغامض والمجهول"...ولم يكن ممكنآ آن ذاك تصور أن الأرض هي التي تدور حول الشمس ولا أن مجموعتنا الشمسية هي مجموعة صغيرة جدآ ومن عدد مأهول من المجموعات الشمسية الأخرى والتي قد تصل حتى الملايين وتبعد مسافات تصل إلى ملايين السنوات الضوئية عن مجموعتنا الشمسية وكوكبنا الأرضي الذي نعيش فيه ....فالإسلام جاء في الجزيرة العربية حيث كان الناس لايعرفون غير حياة البداوة والرعي ونظام القبيلة الذي يعتمد رأي وسيطرة شيخ القبيلة في كل أمور الحياة وكانت العلاقة الإجتماعية بدائية جدآ مبنية على مجتمع يعيش على الرعي وبعض الغزوات لكسب عيشه.

توارثت منطقتا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هذه الحياة والنظام حتى أصبح هذا الإرث عقبة مخيفة تقاوم وتتستر تحت ما يعرف بتابو التقاليد والعادات البالية والتي بدأت تملي شروطا غريبة لاتنتمي لعصرنا وتصر على إرجاعنا إلى ماكان عليه عرب الجزيرة الذين غزوا منطقتنا تحت ستار الإسلام وما جرى من أخطاء وأغلاط في التاريخ الإسلامي(وليس الدين الإسلامي) الذي سير لخدمة السلاطين والأمراء . ذلك التاريخ الذي يحكي لنا عن ما تم من سبي للنساء والأطفال ونهب وإغتيالات...هذا التاريخ الذي ولد عندنا الخوف من مواجهة هذه العقبة وأصبح من الصعب تحديها والوقوف ضدها.لماذا أصبح من الصعب إبراز أي نقد لتاريخ وآثار الغزو الإسلامي وأي نقد لهذا التراث القديم.

هذا التاريخ الذي خلق خطوط حمراء تمنعنا من تجاوزها وإذا ما تجاوزناها ندخل في المواجهة مع الأسرة والمجتمع تحت باب التقاليد والعادات البالية. فتلك النظرة الدونية لمكانة المرأة وعدم مساواتها بالرجل مهما تحصلت على شهادات ومؤهلات تمكنها من تولي المناصب الرفيعة.فنحن مازلنا لانعترف بمساواة المرأة بالرجل بل أكثر من هذا مازلنا نعطي الحق للرجل بالإنتقام منها ومعاقبتها وحتى قتلها إنتقامآ لما يسمى "الشرف" ويمنعها حق الإرث وحق الطلاق بينما نجد هذه هي حقوق بديهية للرجل والذي يمكنه الحصول على حق الزوج بأربع نساء وحق ملك اليمين...!!!!

هناك خط أحمر الذي لا يعترف بالسكان الأصليين في منطقة الشمال الأفريقي كمكون إثني ثقافي تم فرض التعريب عليه من قبل غزاة الجزيرة العربيةالذين تحججوا بنشر الإسلام وفرض العروبية بعد إنتشار الإسلام.لايعترف هذا الخط الأحمر بالأمازيغ وحتى وإن إعترف بهم وبالذات ممن يسمون أنفسهم يساريون أو ديمقراطيون إلا أن إعترافهم تشوبه الحشمة ودائمآ المغالاة في العروبية والسقوط في مزالق القومجيون العروبيون وعلى إعتبار أن الوقت لم يحن بعد إلى إثارة التنوع والتعدد الإثني في منطقتنا وعلينا أن نستكن إلى الثقافة الموروثة والقائلة كلنا عرب وكلنا مسلمين....!!!!ونكران التنوع والتعددية الإثنية والتي تشكل فسيفساء تبرز كل الإثنيات الثقافية المكونة لهذا المجتمع.

فسكان شمال أفريقيا لم يكونوا عربآ بل هم أمازيغ تم فرض اللغة العربية عليهم من قبل الولاة والأمراء وخلفاء دمشق وبغداد فالتاريخ يشهد على الحروب التي تمت في شمال أفريقيا والتي إستمرت مدة سبعين سنة بين كر وفر من الغزاة العرب من أمثال عقبة بن نافع وموسى بن نصير وحسان بن نعمان واللذين تمت مقاومتهم من قادة أمازيغ من أمثال القائد أكسل والملكة كهينا ديهيا.

اليوم الثقافة الموروثة تعلمنا تمجيد الأبطال الغزاة وتنسينا بشكل كامل القادة الأمازيغ وحتى عندما تذكرهم فهم مجرد من وقفوا وعارضوا "الفتح العربي" فقط وليس الأبطال اللذين قاوموا وضحوا بأرواحهم في سبيل بلادهم.

بينما نجد أن الثقافة المكتسبة تعلمنا من هم أبطال شمال أفريقيا التاريخيين وقادتها اللذين قام بقتلهم العروبيون أيام الغزو ويحاول عروبيا اليوم أن يعلمونا نسيانهم بل ووصفهم بالخونة والمهزومين.

المبهر هو ان نجد في الثقافة الموروثة أثار متفشية فينا حتى في طريقة الحديث اليومي المتداول بين الناس ونجد أن هذه الآثار ثم تعميقها في الثقافة اليومية المتكلمين .

ففي أثناء أحاديثنا (في ليبيا مثلا) بلغتنا الليبية كما أسميها أنا وكما يسميها الكثير من المثقفين الليبين ذوي الميول العروبية والمصرين على البقاء الأبدي للغة العربية أو اللغة القرشية (كما سماها الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي) نقع رضينا ام لم نرضى في استخدام العبارات التي تمحي إمكانات وقدرات الإنسان وتختزله الى كائن لا حول له ولا قوة ولا قدرة على إتخاذ القرار فيما يجري من حوله وكأنما هو مخلوق مسير من قبل قوة غيبية تتحكم في مجريات أموره اليومية ولا يملك عقلا يفكر به من مثل هذه العبارات " انشاء الله " ،"لاحول ولاقوة إلا بالله" و"الله غالب" و"مكتوب"وغيرها من العبارات والتي تحجمنا الى كائنات لا تملك القرار في معاملاتها اليومية كأن تصل إلى حد أنك تسأل أحدهم ما إسمك ليقول لك إسمي "فلان "إنشاء الله"وهل وصلت إلى مكانك ليقول لك وصلت "إنشاء الله" وقد يغضب أحدهم منك إذا أجبت على التلفون قائلا "هلو"ويصر عليك بأن تقول السلام عليكم...!!!!

من الطبيعي ان يقوم بقول هذه العبارات وبإدراك وخصوصا من له إنتمآت ثقافية ليست عقلانية.... ولكن كثيرآ ما تصدر عفويآ من أناس مثقفين ثقافة علمانية بل وحتى يساريون و يؤمنون بالعقل وبقدرة الإنسان على فرز الأمور وإتخاد قراراته وتفسير الأمور علميا وملموسا وبان واحد زايد واحد يساوي اثنان وبدون الحاجة إلى إلحاقها ب "إنشاء الله"... هذا يعنى أن هذا الفكر الثراتي والمستمد من الثقافة الموروثة مازال مسيطر وبشكل ضمني ولا واعي على عقول هؤلاء الناس الأمر الذي يجعلهم يرددون هذه العبارات بالرغم من عدم إقتناعهم بجدواها وعملية إستخدامها.

ولكن هذا التصرف يبين لنا مدى تأثير الوراثة الثقافية أو الثقافة الموروثة على مجريات حياتنا بما فيها لغتنا المستعملة في تسييرها.فمن المعروف أن إرادة الله بالنسبة للمسلمين هي فوق كل شيئ ولكنه أيضاً من المعروف لذى المسلمين أن القدرة اللإلهية قد خلقت العقل والفكر الذي يفكر به ويميز به الإنسان ويختار به ومن ثم يقرر به.

فالإنسان ليس وليد لحظة ولادته ولكنه وليد تراكمات ثقافية ترجع إلى زمن قديم من أجداد أجداده وقد ترجع إلى بداء المجتمع الذي ينتمي إليه والثقافات التي مرت على هذا المجتمع والتغيرات التي أحدثتها عبر التاريخ.والتغيرات الفكرية والثقافية التي تحدث على الإنسان ويكتسبها عبر حياته وتجربته التطبيقية والتي تعد نسبيآً قصيرة لا تظهر مباشرة في تصرفاته ولغته مباشرة..هذا مع أن الإنسان هو الوحيد في مملكة الحيوان القادر على صنع أشياء جديدة لم تكن موجودة من قبله لتدخل في ذاكرته لينقل هذه الذاكرة إلى من بعده من أجيال.

ولاشك أن المد المتخلف والذي بداء يفضي بأجنحته المتخلفة والسوداء على عموم منطقتنا في محاولة لعزلها عن ركب التقدم الإنساني والسير بها إلى غياهيب الماضي في مسارات التخلف له كان له دور كبير وبالذات بعد وصول الخميني (الشيعي)وعصابته إلى حكم إيران وما جاء من بعده من حركات إرتبطت بالفكر الوهابي والسعودية (السنة) من طالبان والقاعدة (بن لادن)، كل هذا زاد من تعميق الفكر الخرافي السلفي والذي لا ينوي بنزوع كل المنطقة من واقع العصر والرجوع بها إلى بداوة سكان الجزيرة العربية إلى ما قبل الإسلام.

هذا المد هو ذاكرة وثقافة الماضي الموروث والذي مازال يقف وبكل عناد ضد الثقافة المكتسبة والتي تمثل التقدم إلى الأمام والسير مع التاريخ نحو الحداثة وحتى ما بعد الحداثة.

إن الثقافة الموروثة لا تدفعنا إلى العمل والبحث والإكتشاف الذي هو مطلوب من الإنسان بل هي تطلب منا البقاء قاعدين في أماكننا إلى أن يشاء الله. ولكن الثقافة المكتسبة هي الي تطالبنا بإستخدام عقولنا التي خلقها الخالق معنا لنستخدمها في مواجهة أمور حياتنا من عمل وبحث وإكتشاف هذا الكون والتعرف عليه في كل لحظة من لحظات حياتنا.الثقافة الموروثة هي ثقافة ساكنة وليس بها آي ديناميكية الحياة وهي العكس الكامل للثقافة المكتسبة ثقافة الحياة الديناميكية المتحركة أبديآ.

محمد شنيب
ميلانو إيطاليا 10.04.18


الكاتب: محمد شنيب

بتاريخ : 2018-04-16 08:02:00

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 3988 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق eihmvy7k هنا :    
 

 

 

 

   
   
   
   
   
 

 

 

مقالات اخرى




الأمازيغية والعنصرية العادية
بتاريخ : 2018-08-26 21:41:00 ---- بقلم : محمد بودهان


سيظل شبح عبد الكريم يطاردكم
بتاريخ : 2018-07-24 08:59:00 ---- بقلم : موسى اغربي



الريف ضمير الأمة المغربية
بتاريخ : 2018-07-04 16:06:00 ---- بقلم : حسين مجدوبي


 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.