Français
English
 
 

سيظل شبح عبد الكريم يطاردكم



شبه مقدمة:


ذكرني هذا العنوان وذكرني مرارا بأول كلمة في بيان ماركس وانجلز.. "إن شبحا يرعب أوربا هو شبح الشيوعية، وقد تجمعت جميع قوى أوربا القديمة (يقصد من البابا إلى البوليس الألماني) في حملة صيد طراد مقدس لملاحقة هذا الشبح... أي حزب معارضة لم يتهمه خصومه في السلطة بالشيوعية" (من ترجمة الفقيد العفيف الأخضر).
قد يبدو هذا الاستشهاد "غبيا" لأنه مرتبط بفكر سقط بسقوط جدار برلين وانهيار الأنظمة البيروقراطية ذات المنزع الستاليني، قد يكون الأمر كذلك في هذا الزمن الرديء، زمن الردة التي تضرب في كل اتجاه، زمن الإصغاء إلى الدجل الفكري: من القول بنهاية التاريخ إلى القول بقرب قدوم الدجال وقيام الساعة وظهور عيسى إلى آخر القاذورات الفكرية، ومع ذلك فإن أنظمة التوحش الاقتصادي وتدمير البيئة، والأنظمة الاستبدادية لا يغيب عنها شبح الأبطال: أبطال الفكر وأبطال مقاومة التخلف والاستعمار، ولذلك فإن هذه الأنظمة عاجزة في الشمال والجنوب عن تحقيق أبسط الأهداف الإنسانية النبيلة من خلال توفير الأمن والاستقرار واحترام حقوق الإنسان...و...و... لسبب بسيط ويتجلى في اختيار العنف سواء كان ماديا أو رمزيا لقمع أي خروج عن الصراط الذي خطه الأسياد للعبيد، ولذلك لا غرو إن وجدنا خطاب تقديس "الدولة المركزية" منذ القرن 14 في أوربا على عهد فيليب الرابع إلى حد تأليهها حتى ولو كانت ظالمة، ولا يمكن أن تنافسها أية سلطة أخرى أو تنازعها السلطة على وجه الأرض، فانبثقت مفاهيم سياسية أدى سوء استعمالها إلى مآسي سياسية حقيقية مثل هيبة الدولة وسيادة الدولة والقوة السياسية...إلخ.

وعندي أن هذا كله يقف وراءه خوف حقيقي، خوف من اهتداء الإنسان إلى اكتشاف سيادته من خلال عبوديته وكرامته من خلال الذل الذي يعاني منه. والاهتداء هنا ليس حدسا أو عفوا بل إنه وعي يأتي من "الخارج" كما يقول لينين، ولن يتأتي ذلك إذن- إلا بوجود أبطال قد ينهزمون وقد يقتلون وقد يطمس تاريخهم، ولكن إرثهم يتحول إلى شبح بالمعنى الآتي في اللغة العربية الذي اعتبره مناسبا في مقامنا، يقول أحمد بن فارس بن زكريا في معجم مقاييس اللغة: "شبح" الشين والباء والحاء أصل صحيح يدل على امتداد الشيء في عرض، من ذلك الشبح، وهو الشخص، سمي بذلك لأن فيه امتدادا وعرضا".


حينما صدرت الأحكام على مناضلي حراك الريف تحركت الأفواه قبل الأقلام بوعي أو بدون وعي لتنطق بكلمة غريبة "الأحكام القاسية"، ولقد صدق من قال من أحد النقاد الروس أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، وإنما هي فضاء أو ميدان تتجلى فيه المصالح المتصارعة، بين الطبقات أو الفئات الاجتماعية المختلفة. إذا كانت أحكاما قاسية ومرفوضة فماذا نفترض أن تكون؟ أقل قسوة مثلا، أو مخففة. في كل الأحوال أعتبر هذا لغوا ليس إلا، ذلك بأن الأحكام صدرت وفق ما دون في المحاضر، والسؤال يجب أن ينصرف إلى طبيعة التهم الموجهة، وأنا لست مؤهلا ولا مستعدا للخوض في هذه التفاصيل إيمانا بحكمة المثل الفرنسي القائل: في التفاصيل يكمن الشيطان، ولكن إذا عدنا إلى التهمة الأساس التي تفرعت عنها تهم عديدة وصدر على إثرها البلاغ الحكومي المعروف بعد مرور شهور على الحراك دون أن تتواضع أية جهة للنزول إلى الميدان والاستماع إلى مطالب الشعب قبل اتساع الرتق على الراتق، التهمة الأساس: هي نزعة الانفصال!! والمفارقة أن حراكا آخر وقريبا جغرافيا ومطلبيا (أي حراك جرادة) لم توجه له تهمة الانفصال خاصة وأن الفاصل الزمني بين الحراكين لا وزن له، هل لأن الأغلبية الحكومية تداركت خطأها أم لأن الأمر فيه إن كما يقول المغاربة!

الجواب ببساطة .. عقدة الريف..، وكل أنظمة التسلط وأنظمة الاستعمار تعاني من عقدة ما، ومن الطريف أن باحثا استراتيجيا مثل جان فرانسوا بييار يتحدث عن عقدة فرنسا (التي تعتبر نموذجا للاتباع الصاغر لدى بعض القوم عندنا) التاريخية وهي عقدة Fachoda، هذه القرية الموجودة في نيل الأعلى، اضطرت فرنسا إلى الانسحاب منها بكل إذلال نتيجة الضغط البريطاني وذلك عام 1898، ولا زالت فرنسا لم تتخلص بعد من عقدة النقص اتجاه اللغة الإنجليزية، وما مقاومة ما يسمى الهيمنة الثقافية الأمريكية إلا تعبيرا صارخا عن هذه العقدة، ولم يقف الأمر عند حدود الصدمة النفسية بل ترجمت العقدة إلى عدوان استعماري على الدول الإفريقية جنوب الصحراء وذلك من خلال وجودها العسكري في التشاد وإفريقيا الوسطى والزايير وراوندا علاوة على الخدمات السرية في السودان، (أنظر كتابL’illussion identitaire. Pluriel,1996, 2018 pp:35- 36)، لذا فإني شخصيا لم أستغرب ما صدر عن الأغلبية الحكومية ولم أتأفف من صدور الأحكام ولا من صمت بعض المثقفين "التقدميين" الذين أبانت الأحداث عن عزلتهم وانهزاميتهم المفضوحة، ومن حق أي كان أن يسأل هل هذا الصمت تعبير عن الاقتناع المضمر بكون منطقة عصية على الترويض قد يهدد فكرة استقرار البلد. علما بأن شبح تمزق الأوطان في الشرق الأوسط وشبه جزيرة البلقان يخيمم على كثير من العقول بصورة تذكر بمرض "الوسواس القهري" إن صح هذا التعبير.

وإذا كان وزراؤنا "المحترمون" يقرأون شيئا من تاريخ إفريقيا، فإنهم سيكتشفون أن حالات الانفصال في إفريقيا عموما، نادرة أخص بالذكر منها إقليم بيافرا في نيجريا الذي أصبح الآن جزء من الوطن النيجيري، وإقليم كاطانكا في سنة 1960 وكانت للمصالح الأجنبية يد فيه، إلا أنه لم يبرح ذاكرة الزاييريين التاريخية ولم يفض إلى تهديد الوحدة الوطنية، (أنظر المرجع السابق ص: 45)، بل أن جميع الصراعات الإثنية والطائفية هي منتوج غربي إلى حد كبير تزامن مع المرحلة الكولونيالية، وإلا فإن إفريقيا قبل هذه المرحلة كانت في وئام وتعايش على الرغم من تعدد الإثنيات وتداخلها عبر حدود دول مختلفة. ومما يدل على هذه "الصناعة"، صناعة الانفصال، صناعة غربية هو أن كثيرا من النزاعات في ايبيريا والصحراء المغربية والصومال كانت تمتح من هاجس العودة إلى الحدود الكولونيالية التي رسمت في مؤتمر برلين (1884-1885) المخصص لقضية إيجاد صيغ تقسيم إفريقيا بين الدول الغربية الكبرى (م. س. ص: 46) مما يدل على أن إفريقيا لم تتخلص بعد من الإرث الاستعماري الذي قد يختفي ولكن سرعان ما يطل من رحم التاريخ السيء كأفعى الصحراء!!

إذن لماذا اتهم حراك الريف بالانفصال، دون أن يتسم حراك جرادة مثلا بالتهمة نفسها، قلت سابقا، إنها "عقدة الريف" التاريخية: معركة أنوال، أحداث 58-59 ومواقف عبد الكريم الخطابي السياسية، وكل هذا لا يمكن فصله عن عقدة المحيط والمركز أو المغرب النافع والمغرب الغير النافع. هل يمكن للإنسان أن يؤدي ضريبة ازدياده في منطقة نائية عن المركز حيث المستشفيات والجامعات وتمركز الرأسمال التجاري والصناعي، إن حراك الريف يذكرني بأسطورة تراثية لا زال نسغها الحضاري يسري في كل العصور وكل المجتمعات الإنسانية أنى وجدت.

تسطر أسطورة Adel و Cain ملحمة الصراع البشري بين الراعي والمزارع، أو بين البدوي المترحل بحثا عن الكلأ لماشيته وقطف الثمار، وبين المزارع الذي يفلح الأرض حيثما استقر، وقد حدث أن أهدى هابيل (الراعي) ل جيهوفاه Jehovah كبشا، في حين أهدى له أخوه كايين ثمار ما أنتجته زراعته، لكن جيهوفاه مارس الميز بينهما حينما قبل هدية الراعي ورفض هدية المنتج الزراعي كايين، في قلب هذا الميز استوطن الصراع الذي سينفجر حينما قرر المزارع رسم حدود ملكيته التي ترغمه على الدفاع عنها بالأنياب والأظافر ضد أطماع البدوي الراحل، حدثت الحرب بينهما انتهت بمقتل البدوي، إذا وقفنا -على غرار بعض التفاسير التبسيطية للأسطورة- عند هذه النهاية نكون قد أفقدنا الأسطورة دلالتها الأزلية الممتدة امتداد الوجود البشري على هذه الأرض (وحتى ما بعد الأرض حيث نجد الميز الانتروبولوجي والتاريخي ما بين الشهود على الناس والضالين، وما بين المنعمين بحوريات الجنة وبين المعذبين الذين يصلون نار جهنم على نحو خالد) وهذه الدلالة تبين مفارقة حقيقية بين الذي يشتغل بعرق جبينه، وبين المتطفل على ثمار الآخر المنتزعة بعرق جبينه، ولكن الأفضلية دائمة إلى جانب هذا المتطفل أو بلغة المقاطعة المغربية (العيش بفعل الريع والزبونية!) وتتجلى هذه الأفضلية في سلوك جيهوفاه الذي دشن مسيرة الميز بين البشر. نعم لقد قتل "البدوي"، ولكن هل انتهى الصراع. لنتأمل ولو برهة من التاريخ الإنساني!

في النظام الفيودالي، طبقة النبلاء تستعبد وتستغل المنتج الزراعي (الفلاح)، والبدوي (Adel) هو السيد الذي لا يزرع، إنه يصطاد (il chasse) فوق الأراضي المستغلة بواسطة العبيد Cain serfs، وكتب التاريخ زاخرة بصور النبلاء الذي ينقضون كالوحوش المفترسة على ثمار عمل الفلاحين ونهب أرزاقهم، وليس من الصدفة أن تلجأ الطبقة الارستقراطية إلى ممارسة الصيد بواسطة كلاب الصيد (وللقارئ أن يمطط هذه الظاهرة التاريخية حتى تتحول إلى خيال رمزي يستقطب الكلاب التي فضلها جيهوفاه لتمارس العض والنباح في الوقت نفسه). نجد دوما أن البداوة هي التي تبادر بالهجوم، كما بادر هابيل في العصر الحجري الأعلى بالهجوم على أخيه كايين، وكما هاجمتنا البداوة القريشية في شمال إفريقيا، كما هاجمت البداوة السلطوية الريف في 58-59، أي أن كايين كان دائما هو الضحية ومع ذلك يتم تجريمه. وهل معنى هذا أن البداوة هي التي كان النصر حليفها، بطبيعة الحال لا يمكن القول بأن انتصار طرف على آخر (هابيل ضد كايين) نهائي ومطلق أو أن التاريخ توقف، نعم نلاحظ الآن أن عناصر البداوة في الدنيا كلها هي المهيمنة سواء في مستوى علاقة الدولة بأبناء الشعب أم على مستوى العلاقات الدولية ، ففي المستوى الأول نلاحظ أن أصحاب الريع لكي يحافظوا على مكاسبهم التي حصلوها بالنهب والسلب يقمعون كل صوت يدعو إلى اقتسام ثروة البلد عدلا والدعوة إلى تكافؤ الفرص وهنا نلاحظ أن السلطة في موقفها هذا تواجه الواقع المتأزم بعين سياسة فيها "حول" اعتقادا منها أن ذلك يضمن لها الاستقرار والأمن، وكذا إظهار قوتها المقرونة خطأ بالهيبة والسيادة، ومعنى هذا أن الأنظمة الاستبدادية تسرق من الشعب لا أمواله وأرزاقه وتصادر حرية التعبير والمعتقد فحسب ولكن حقه أيضا في ما يسميه "هوبز" القوة السيادية. وإذا غاب هذا الحق فلا مكان لمفهوم الديمقراطية في مساحة العقل السلطوي القاصر عن إدراك معنى الهيبة والسيادة والاستقرار. ولقد كان روسو على حق حينما حدس أ ن الديمقراطية قد تتحول إلى ارستقراطية (وليلاحظ المواطن أن شخصا ادعى أنه صعد إلى الجهاز التنفيذي بشكل ديمقراطي ويصرح بكل وقاحة بأنه وزير وليس مواطنا!! وهذا غيض من فيض من أمثلة هؤلاء الطراطير) على الرغم من إيمانه (أي روسو) بأن السيادة الشعبية Souveraineté populaire ليس قابلة للتصرف! (أنظر: Luc Foisneau : Habbes, la vie inquiéte Gallinard 2016 p : 38-39-40ولا شك في أن أي سلطة لها الأعمدة التي تشير إلى قوتهاK وهذه الأعمدة هي التي يشار إليها في العلوم السياسية بالمؤسسات الصلبة: الجيش – البوليس- الإعلام- المال. ولكن حينما توظف بطريقة غبية وسلطوية أي بدون الاحتكام إلى أمن الشعب وسيادة الشعب، فإننا حينئذ نجد أنفسنا إزاء سلوك البداوة. إن جينجيس خان البدوي القادم من منغوليا في القرن الثاني عشر والذي شيد أعظم إمبراطورية في التاريخ لا نظير لها في الصين وآسيا الوسطى، أي أنه أخضع 25% من سكان المعمور-هذا البدوي هو بمثابة هجوم البدو على المزارعين المنتجين الحقيقيين في هذه البلدان (أنظر استجواب م. سير السابق)، هذا هو الدينامو (صراع البداوة ضد الحضارة) المحرك للتاريخ وهو أوسع من الصراع الطبقي، ومن هنا فإن مفهوم الرحل والمقيمين (Nomades et sédentaires) أداة لتحليل واقع العلاقة بين المركز والهامش في الدول الفاشلة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، والشيء الوحيد الذي يمكن أن تتفوق فيه السلطة هو الترهيب عن طريق عساكرها وجيوشها، في غياب الثقة بين الحاكم والمحكوم، هذه الثقة هي وحدها الكفيلة باستمرارية "عقدة الاجتماع" بين هذين الطرفين، والثقة لا يمكن أن تكون متوفرة إلا حينما تكون السلطة والسيادة للشعب. والدولة التسلطية لم تدرك بعد أن احتجاج الشعب هو بمثابة تنبيهها للخلل الذي يجب تداركه. وليس تعبيرا عن نزعة عدوانية أوانفصالية، وحينما تتخلص الدولة من تسلطها وتعاليها عن الشعب الذي أوكل إليها وظيفة أمنه واستقراره، تتخلص من رعبها وهلعها، ومما تتخيله من أشباح- أعداء. ستالين كان يرى في معارضيه أشباحا منتدبين من لدن الغرب للانقضاض عليه، ولذلك تخيل أنه أب الروس والسوفيات الذي يملك القوة والجبروت للمغالبة، وكذلك هتلر الذي جعله إيمانه الأعمى بالعرق الأنقى والأرقى يتخيل أن هناك أجناسا دنيا لا يمكن إلا تصفيتها للحفاظ على نقاوة الجنس الأنقى. والموقف من الريف أيضا صادر عن تخيل الأشباح، ولا زلت أتذكر أحد أقاربي وأنا لم أبلغ بعد سن الرشد يتحدث عن موت عبد الكريم في مصر، وكيف أجابه أستاذه حينما سأله عن موعد نقل جثمانه إلى بلده إذ قال له: إنه سيدفن حيث مات، وحين استفسره عن السبب قال له: إنهم يخافون من جثته. لم أضف إذ ذاك كلمة واحدة. وعلى الرغم من أن القائد أفنى جزء من عمره في المنفى القسرى لم يشفع له ذلك لدى عصابة الحركة الوطنية (وخاصة غلاب وبوعياد) الذين فرضوا عليه الإقامة الجبرية في مصر مقابل بناية لجنة المغرب "العربي" ليكون تحت المراقبة. ولذلك فوتوا على شمال إفريقيا فرصة تاريخية هائلة، لأن عبد الكريم لو استقر بفرنسا سيكون له شأن حيث حرية الاتصال بالصحافة الدولية والأحزاب اليسارية والوطنية التي كانت تكن له كل التقدير. دون ذلك كانت البداية التعيسة مع حزب الاستقلال والحزب الدستوري والراكبين على نضال الشعب الجزائري من أمثال بن بلا وبومدين.

لو تأملنا التاريخ جيدا سنقتنع لا محالة بنظرية Michel Serres حول الرحل والمقيمين أو الصراع بين هابيل البدوي وكايين الكادح والمزارع الذي تعرض على مر التاريخ للهجوم البدوي الذي يأكل بدون شبع ويختار لنفسه السيادة بشرعيته السيف ويختار للآخرين طريق العبودية، ومن منا لا يتذكر (أو بالأحرى يحفظ) المثل الأمازيغي "أخدم ابوثقادين إبويفدان" وترجمته الرديئة على النحو الآتي: "صاحب البنية الجسمية المتينة يقتات من عمل صاحب البنية الجسمية النحيلة". أريد للريف أن يهجر أبناؤه إلى أوربا لبناء اقتصادها الذي دمرته الحرب العالمية الثانية وحينما يرجعون إلى بلدهم يرجعون ب "نصف صحة"، وهم يمدون كل سنة خزانة الدولة بالعملة الصعبة، فأين تذهب هذه العملة إن لم تستثمر في "جهة" هؤلاء. نعم المركز يظل مركزا والمحيط يبقى محيطا، أو كما يقول ميشال سير: "إن كايين الفلاح المقيم والمنتج، هو الأكثر تعرضا للاضطهاد على وجه الكرة الأرضية". وفي الحقيقة فإن مصطلحي المركز والهامش الذي وصفهما رجل الاقتصاد "سمير أمين" لوصف العلاقة بين الرأسمال الاستغلالي ودول الجنوب (أو العالم الثالث)، ليس دقيقا دقة مصطلحي ميشال سير المشار إليهما آنفا. ألا يستأهل إقليم الريف بحضوره التاريخي النبيل جامعة ومستشفى والنهوض بالبنية التحتية بعد هذه العقود الثقيلة من السنين. "الواجهة المتوسطية الممتدة فقط من قيادة" شبذان إلى الحسيمة مؤهلة لكي تضاهي منطقة ماربيا الساحرة، وإن كانت شواطئنا في هذه المنطقة أفضل سحرا! لو وفرنا ميزانية عشرة مساجد في مدينة بالمنطقة الشرقية التي تعج بالمساجد حتى إنها تتفوق على مدينة إسطنبول من هذه الناحية، لأسسنا جامعة أو نواة جامعية! غريب أمر هذا البلد! لقد قيل عنا نحن المغاربة أننا نتميز بكوننا بدل سلك الطريق المستقيم نفضل سلك طريق المنعرجات.

شهور عديدة و Cain يصدح بالحناجر والطقطوقة الجبلية، ولم يتفضل هابيل بالنزول للإصغاء والحوار لأنه تعود "أن يأكلها باردة" بدون عناء، "ما فيه ما يصرف خص غير ينهب" وإلا فالزرواطة التي يهش بها على أغنامه بالمرصاد.

حينما يحتج الشعب بطريقة سلمية وحضارية، فإنه ينشد حرية وكرامة الإنسان ونبذ علاقة الأسياد والعبيد والمنطقة النافعة وغير النافعة، حتى وإن سلمنا جدلا وسوفسطائيا بأن هناك منطقة غير نافعة فلنجعلها منطقة نافعة، وحينما يقمع شعب يريد أن يحيا في ظل الكرامة ويطالب بالجامعة، فهذا دليل على أن الهاجس الذي يسكننا بشكل مرضي هو تأبيد العبودية وتكريس الجهل المقدس، ورحم الله أفلاطون، كان يقول إن المستبد الذي يهيمن على العبيد ليس حرا، لأن الحر يجب أن يحيا بين الأحرار لا بين العبيد،


أكذوبة المصالحة مع الريف:


كان لإعلان الأمين العام لحزب الاستقلال الاعتذار لأهل الريف عن الجرائم التي ارتكبت في سنتي 1958-1959، وإعلان مسؤولية الحزب في حال ما إذا ثبتت إدانته بتورطه في الأحداث – كان لذلك صدى من أوساط الإعلام المغربي، وتضاربت المواقف بشأن هذا الموقف، ولكن ما يهمني في هذا المقام هو موقف نجل المناضل سلام امزيان، محمد امزيان الذي صرح في استجواب له، بأن ذلك يعد موقفا جريئا لا بد أن تتلوه مواقف عملية لتحقيق المصالحة لا مع الريف فحسب ولكن مع الوطن كله وتأسيس حوار صادق حول مستقبل الوطن (أنظر الاستجواب في مجلة MarocHebdo N° 1265 du 13-19 Juliet 2018) لا أحد من المغاربة سواء كان من سكان الريف أم من جهات أخرى من أرض الوطن، يرفض أن يمد المغاربة بعضهم إلى بعض أيادي التآزر الوطني ونسيان أحقاد السياسيين القدامى والحاليين أسوة لبعض الشعوب (الإفريقية على وجه الخصوص) التي سالت بينها أنهار من الدماء، وها هي الآن تبني أوطانها بالأيادي نفسها الملوثة بدماء أبناء الوطن. لنتذكر جميعا أحداث راوندا في سنة 1994 حيث تشير بعض الدراسات إلى أرقام مهولة من الاقتتال الأهلي بين الهوتو والتوتسي، ونهر "كاجيرا" Kagera كان يجرف جثتين في كل دقيقة و6 ألاف من الجثث كانت تطفو فوق بحيرة فيكتوريا (انظر جان فرانسوا بيار في المرجع المشار إليه آنفا ص: 35). غير أن الأمور في بلدنا، أعقد من أن يحل معضلته حزب سياسي ذو أفق سياسي معروف، ناهيك عن استراتيجيته في التعليم وتصوره لعلاقة المغرب بمحيطه في الشرق العربي والشمال الأوربي.

ومن أجل فهم خلفية موقف نزار بركة الملخص في محاولة استرضاء "شبح" الريف، على حد تعبير مجلة "ماروك ابدو" المشار إليها، لا بد من استحضار سياقه أو فهم أسباب النزول.

نزار بركة قدم إلى الأمانة العامة للحزب بعد لأي نتيجة الصراع بين كوادر الحزب نفسه نتيجة تشبت شباط بمنصبه، بمعنى أنه أتى في أعقاب "دفن" مرحلة سوداء في تاريخ الحزب الذي لم يعدم وجود مناصريه بمن يتوهم أنه حزب ذو شرعية تاريخية وأنه يكفيه فخرا أنه "حزب" علال الفاسي الزعيم!! والاستقلاليون شغوفون بعملية الدفن، فغلابهم في تجل من تجليات هلوسته الروائية تصور أنه "دفن الماضي"، والآن يدفنون حقبة شباط. ولكن هل يستطيعون دفن تاريخ الريف وأحداث الريف ونضال الريف! و بعبارة أخرى أن شبح الريف أطل فلا بد من "التعزيمة" والكلمات التي فاه بها أمام أعضاء حزبه في الحسيمة أشبه بسجع الكهان: كلمات براقة للاستزادة من أعداد المدوخين، فقد قال في تاونات يوم 14 مايو الأخير كلاما كبيرا إذ وجه نقدا لاذعا إلى الحكومية والمسؤولين الكبار ووصفهم ب "الكذابين"، بسبب تذرعهم بعدم وجود الإمكانات المالية لتبرير التأخر في إنجاز مشاريع التنمية، وهنا أسأل الدكتور بركة هل السياسيون كذابون أن لصوص، فلنسم الأشياء بأسمائها، في السياسة –وأنا لست رجل سياسة- لا توجد أخلاق حتى نتحدث عن خصلة الكذب!!! وحينما عرج على أحداث الحسيمة أشار إلى الأحكام التي صدرت في حق 53 مناضلا من الحراك، وأشار إلى أنها أحكام ثقيلة، وكان الأولى في نظره أن يكون هؤلاء بين ذويهم يعيشون في سلام وينخرطون في تنمية إقليمهم. عجيب أمر هؤلاء القوم حينما يكونون خارج المنصب يفوقون لينين في بلاغة القول وحينما يتذوقون نعمة المنصب قد لا يترددون في ذكر بيت شعري لنزار قباني "أنا عليكم سلطان!"، والله إني لأعتقد أن الفيلسوف البريطاني "هوبز" كان يشير إلى مثل هذه الطينة من البشر، وذلك في معرض حديثه عن الديمقراطية وكونها نظاما هشا لأن القرار في نهاية الأمر لا يؤول إلى الشعب وإنما إلى نقبة محدودة بل إلى شخص مفرد يحسن بلاغة القول التي تقنع الآخرين بصواب ما يقترحه من قرارات، وعليه فإني لا أتردد في الشك في عزم الحزب على الاعتذار، أولا لأن الاعتذار ليس مفهوما سياسيا وإنما مفهوم أخلاقي، وحتى لو أخذناه على علاته فيجب أن يشمل الوطن كله وإن كان مدخل الريف هو المدخل الحقيقي لتجاوز مرحلة القهر التي عانى منها أبناء الريف، ذلك أن الأستاذ بركة يحصر مسؤولية الحزب (إن تحققت كما هو مفهوم من سياق كلامه) في الأحداث الدامية المعروفة وإغفال ما حققه حزبه من إنجازات سيئة ألحقت أضرارا جسيمة بأبناء الشعب المغربي قاطبة، وفي مقدمتها نخبوية التعليم وتخريبه عن طريق التعريب، بينما لا يوجد فرد واحد من الأعضاء الذي يشكلون لجنة الحزب المركزية يدرسون العربية، إن الأستاذ بركة يتحدث عن استراتيجية حزبه في المجال الاقتصادي والاجتماعي، وهل يستطيع أن يتحدث عن استراتيجية سياسية وثقافية، هل يستطيع أن يزيل الأوتاد النخرة التي تدعم خيمة الحزب الإيديولوجية والمختصرة في قول زعيمهم حينما عرف الأنسية المغربية بأنها التي تتحدث بالعربية وتدين بالإسلام. لا أعتقد ذلك وإلى يوم القيامة. فاقد الشيء لا يعطيه، لا يمكن للمرء أن يقحم نفسه في تحد لا يقدر عليه، ما ينتظر المغرب لا يمكن أن تستوعبه الرؤية القاصرة لأحزابنا المدمنة على إحصاء الأصوات ومقارنتها بالأصوات التي حصلت عليها أحزاب مقابلة ومن نفس الملة.


خاتمة


إذا كان الريف يزعجكم أو يعذبكم فانظروا يا أحفاد ويا أبناء معاهدة "إكس ليبان" في سجل إنجازاتكم على مدى أكثر من ستة عقود، أنتم ينطبق عليكم قول القائل: "خيركم خيركم لأهله"، لقد وفر لكم آباؤكم كل شيء، من مدارس ومعاهد عليا وجامعات على مرأى حجر من بيوتكم، يحق لكم أن تترحموا على آبائكم الذين غادروا مساكنهم الرفيعة بمدينة فاس إلى مراكز القرار السياسي ومراكز المالية التجارية، لقد أراد آباؤكم أن يكون المغرب لهم وحدهم، إنكم فعلا أحفاد هابيل لا يزرع ولا ينتج، كومبرادور في أردأ الطبعات، أما المنتج الحضاري والمعمر فقد تنحى إلى موقف الدفاع لاعن أملاكه وأرصدته البنكية في الداخل والخارج، ولكن عن كرامته وإنسانية إنسان مقهور في بوادر الريف وجباله، في جبال الأطلس والأرض الجدباء في أسامر وبقية المناطق... لا أدري أين عثرت على فكرة لأحد الأقلام الغربية مضمنها أن ممارسة القتل لا يتم بالمسدس فحسب، فأن تجلس في المقهى الفاخر تحتسي مشروبا فاخرا فإنك في الوقت نفسه تمارس القتل في حق إنسان معدم في اتيوبيا، بمعنى أينما ولينا وجوهنا تطاردنا فكرة الصراع الأزلي بين البداوة "الريعية" والإنتاج الذي مارسه كايين، إنه الصراع بين الفئة التي تملك كل شيء وجموع الشعب الذي لا يملك من ثروة غير الإحساس بكرامته، وعليه فإن الأبطال لا يموتون بل تتحول أفكارهم إلى شعلات منيرة لدى النساء الحرات والرجال الأحرار، وإلى أشباح مخيفة لدى العبيد!


الكاتب: موسى اغربي

بتاريخ : 2018-07-24 08:59:00

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 1482 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق 3seiubgp هنا :    
 

 

 

 

   
   
   
   
   
 

 

 

مقالات اخرى




الريف ضمير الأمة المغربية
بتاريخ : 2018-07-04 16:06:00 ---- بقلم : حسين مجدوبي







 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.