Français
English
 
 

أحمد أبادرين: الضمير الحقوقي للحركة الأمازيغية بالمغرب

بقلم عبدالله بوشطارت - AmazighWorld.org
بتاريخ : 2022-04-15 00:53:00


ازداد الاستاذ والمحام احمد أبادرين في بداية الخمسينات من القرن الماضي بدوار إهواتن التابع لجماعة تاولوكلت، بضواحي امي ن تانوت، وهو ينتمي إلى قبيلة إنتوگا، المشهورة بمتوگة، وهي قبيلة أمازيغية عريقة، تحتل السفوح الشمالية للأطلس الكبير المطلة على ازاغار ن شيشاون، أو شيشاوة حاليا.

وهذه المنطقة بزغ فيها عدد كبير من رواد الثقافة والفن الامازيغي على الاقل في التاريخ المعاصر، ونذكر منهم الرايس محمد أوتولوكولت، وعمر واهروش ومحمد ألبنسير، وهي المناطق التابعة حاليا إلى دائرة إمي ن تانوت. وهي المنطقة التي أنجبت أيضا مناضلين ونخب أمازيغية كان لها الأثر البالغ في الحركة الأمازيغية ونذكر منهم أحمد أبادرين والحسين أخياط أحد مؤسسي منظمة تامينوت، والحسين آيت باحسين أحد أعمدة الحركة الأمازيغية حاليا وهو من بين رموز الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي.

أحمد أبادرين عاش طفولة قاسية بسفوح تاولوكولت، فقد والدته وهو رضيع، ماتت بعد فترة قصيرة من ولادة أحمد، وكان والده يعارك مع قساوة العيش لتربية أبنائه، وبدأ بحرفة الخياطة المتجولة في الأسواق كما مارس مهن أخرى كثيرة.. ولج أحمد أبادرين الطفل عالم القراءة والكتابة عن طريق المسيد أو مسجد الدوار وانتقل بين عدة أمكنة حفظا للقرآن منها دوار أگني أوحندير، وانتهى به المطاف في ضواحي مدينة مراكش حيث اختار والده أن يستقر بعد أن ارتحل عن الدوار وظروف عيشه القاسية، بحثا عن آفاق ممكنة للعيش، كما قضى فترة قصيرة في مدينة شيشاوة، ومنها إلى مراكش حيث تمكن الطفل أحمد أبادرين ولوج عالم المدرسة العصرية بصدفة عجيبة، بعد أن كان يزاوج بين حفظ القرآن في المسجد والشغل في حقول زراعية بضواحي مدينة مراكش.. وقد شفع له حفظه للقرآن حين كان ينتقل مع والده الذي يشغل فقيها في المساجد، أن يتم تسجيله بصعوبة كبيرة في مدرسة مسجد إبن يوسف، وقد حاول تسجيل نفسه عدة آيام لكنه فشل بسبب كثرة الازدحام الذي كان يجده كل صباح، إلى أن جاء ذات يوم مع طلوع الفجر ووجد نسفه وحيدا أمام باب المسجد، حيث سبق الجميع، وحين بدأ الراغبون في التسجيل يتوافدون إلى المكان، مسك الطفل أحمد بخرصة باب المسجد وشدها بقوة بيده، وبدا معلقا بالباب ويصرخ كلما اقترب منه أحدا، وبفعل قوة المزدحمين حين فتح المخازني باب المسجد من الداخل، سقط أحمد داخل المسجد، وبعد امتحانه في حفظ القرآن، تم تسجيله في القسم الرابع، وبدأت رحلة جديدة في حياة أحمد أبادرين.
وبفعل خرصة باب مسجد ابن يوسف ولج الطفل أحمد أبادرين عالم المدرسة والمعرفة... ولذلك وسم كتابه الذي يحمل بين دفتية سيرته الذاتية عنوان "الخرصة : أو ذاتية أحمد أبادرين" الذي صدر سنة في أكتوبر 2020.
وبعد حصوله على شهادة الابتدائية، انتقل التلميذ أحمد إلى ثانوية إبن يوسف، ومنها حصل على شهادة البكالوريا والتحق بجامعة محمد الخامس التي حصل فيها على شهادة الاجازة في القانون والتحق بعدها إلى مهنة المحاماة.

لكن في مرحلة الثانوي بمراكش بدأ احمد يخوض نقاشات سياسية وايديولوجية، وبدأ غمار السياسة على عتبة حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية حين حضر بمقره عرضا سياسيا ألقاه أحد المؤطرين بالثانوية التي كان يدرس بها، وكان موضوع العرض حول "الحركة الوطنية وحركة المقاومة بالمغرب". وفي غضون تلك الأجواء خاصة أثناء اجتياز امتحانات البكالوريا، تعرف أحمد أبادرين على عدد من الأصدقاء الرفاق، خاصة الذين قدموا من المعهد الإسلامي بتارودانت، ومنهم أحمد المثالي، محام وحقوقي وكان من بين المعتقلين السياسيين، وهو حاليا محام بتزنيت شفاه الله، وتعرف أيضا على الصالحي المدني الذي كان يشتغل كمحام بمدينة أگادير واختطف يوم 15 ماي 1986 وظل مصيره مجهولا إلى اليوم، وتعرف أيضا على الاستاذ حسن إدبلقاسم احد رموز الحركة الامازيغية في المغرب ومؤسس جمعية تامينوت، كما تعرف أيضا على الحسين أخياط إبن منطقة امي نتانوت وهو أيضا أحد مؤسسي تامينوت... وقد صرح أبادرين أنه حين تعرف على هؤلاء الذين كانوا يتحدثون بالأمازيغية بثانوية مولاي يوسف، وجد فرصة للتحدث معهم بالأمازيغية متحررا ومتغلبا على عقدته من لغته الأمازيغية...

وفي سنة 1971 انتقل احمد أبادرين إلى مدينة الرباط، لاتمام دراسته بكلية الحقوق، ومن هناك التحق بصفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بمعية رفاقه من الجنوب، وانتخب احمد أبادرين مؤتمرا عن كلية الحقوق ضمن لائحة معروفة بالطلبة الجبهويين وشارك في المؤتمر المنعقد بكلية العلوم سنة 1972، لكن لم يحضر أحد من أعضاء اللجنة الإدارية المنبثقة عن المؤتمر السابق أي المؤتمر 14 والذين كانوا ينتمون في الغالب لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وذلك لتقديم استقالتهم، من أجل تقدم أشغال المؤتمر، فإذا بعضو واحد كان ينتمي للجنة الإدارية السابقة يصعد إلى المنصة وقدم استقالة باسم جميع أعضاء اللجنة، ولم يكن ذلك العضو إلى المرحوم أحمد الدغرني.

وفي ذلك اليوم، تعرف أبادرين على الدغرني، وبدأت علاقتهم وصداقتهم التي امتدت إلى حين وفاة المرحوم الدغرني. إقامة أحمد أبادرين في الرباط وانخراطه القوي في نضالات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب جعله يتعرف على قيادات سياسية كثيرة ونشطاء ثوريون آنذاك، ومنهم عمر دهكون الذي حكم عليه بالإعدام في محاكمة عسكرية بالقنيطرة، وكان يعرفه أحمد باسم مستعار حاول استقطاب ثلة من الطلبة إلى العمل المسلح في أحداث مولاي بوعزة في مارس 1973 ومن بينهم أبادرين ورفاقه، لكنهم رفضوا. كما تعرف أيضا على الطالبة سعيدة المنبهي التي كانت تنحدر هي الأخرى من مراكش، وهي من نشطاء الحركة الطلابية وكانت من بين المعتقلين الذين حكم عليهم سنة 1977 ضمن مجموعة السرفاتي، وتوفيت في السجن على إثر تنفيذها لاضراب عن الطعام، وكان آخر لقاء بين سعيدة المنهي وأحمد أبادرين قبل اعتقالها بساحة باب الأحد بمدينة الرباط في شثنبر 1975، وقد تعرض احمد للعديد من المضايقات والمداهمات بسبب توزيع مناشير داخل الكلية أو بسبب الاضرابات او المواجهات، وكان ينجو من الاعتقال كل مرة، حيث يطلق البوليس سراحه بعد استنطاقه.. صديقه أحمد مثالي تم اعتقاله واختطافه بعد أن حصل على الاجازة وكان يجتاز الخدمة المدنية، وتم نقله مع آخرين إلى معتقل أگدز وقضى به 17 سنة من الاعتقال دون محاكمة.

واجتاز أبادرين مباراة الولوج إلى المحاماة عقب حصوله على الاجازة سنة 1975 ونجح فيها متوفقا، وقضى سنتين في الخدمة المدنية بعمالة الرباط، وفي سنة 1978 التحق بمهنة المحاماة، وبعد فترة التمرين بالرباط ومراكش، أفتتح الاستاذ أبادرين مكتبة للمحاماة بمدينة مراكش سنة 1981.

وأثناء مكوثه بالرباط، خاض أبادرين برفقة أصدقائه حسن إدبلقاسم والحسين أخياط، وكذلك أحمد الدغرني الذي كان إذاك محاميا بسيدي سليمان، نقاشات كثيرة ومعارك فكرية، توجت بتأسيس الجمعية الجديدة سنة 1979 والتي أصبحت فيما بعد جمعية تامينوت، وكانت قضية الأمازيغية حاضرة في كل هذه المحطات السياسية والمعارك الايديولوجية التي خاضها أبادرين ورفاقه بالرغم من كونهم مناضلين في صفوف اليسار الجدري.

بدأ الاستاذ أحمد أبادرين عمله الحقوقي مبكرا منذ أن كان محاميا متدربا سنة 1979 حين بدأ بتنظيم زيارات حقوقية إلى المعتقلين السياسيين داخل السجون خاصة معتقلي مكناس، وفي إحدى تلك الزيارات تم التفكير في تأسيس جمعية حقوقية تعنى بالدفاع عن المعتقلين السياسيين رفاقهم في الأمس، وفي تلك السنة أي 79 تقرر تأسيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.. وبعد انتقاله لمدينة مراكش واصل الاستاذ احمد أبادرين دفاعه وترافعه عن المعتقلين على إثر انتفاضة سنة 84 سواء في مراكش والدارالبيضاء وتعرض لمضايقات كثيرة، وتم اعتقاله والتحقيق معه في أثناء ذلك، وتعرض مكتبه لحصار بوليسي. وكما كان مكتبه مفتوحا أمام عدة منظمات حقوقية دولية مثل منظمة العفو الدولية التي كان يزودها بالتقارير حول حالة المعتقلين وظروف محاكمتهم.
وساهم الاستاذ أبادرين بقسط كبير في بروز وتطور الحركة الحقوقية بالمغرب، بفعل ما حققه من تراكمات في الترافع والحضور والتنظيم والتنظير، وفي هذا الصدد أصدر وثيقة سنة 1991 بعنوان خطة الدفاع عن حقوق الإنسان، انتقد فيها أسلوب العمل الذي تنهجه الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، مما تسبب له في القطيعة مع الجمعية على إثر غضب أعضاء مكتبها المركزي من الأفكار النقدية التي نشرها أبادرين.

إلى جانب هذا العمل الحقوقي الكبير الذي كان يمارسه المحام أبادرين سواء كمحام أو كقيادي في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان اوداخل تنظيمات سياسية ومهنية، فإنه كان قريبا دائما من الحركة الأمازيغية و همومها وقياداتها، وشارك في محطات ترافعية كثيرة، ونذكر هنا على سبيل النموذج، مشاركته في ندوة الجامعة الصيفية بمدينة أگادير سنة 1991 أي في الدورة التي تم إصدار ميثاق أگادير المعروف في ادبيات الحركة الأمازيغية، وقد شارك الاستاذ أبادرين بمحاضرة في المحور الحقوقي تحت عنوان " مساهمة في تعديل الدستور والمسألة الأمازيغية". وقد صرح لنا الاستاذ أبادرين في لقاء سابق مؤخرا بمدينة مراكش، أن حضوره في الجامعة الصيفية سنة 1991 بمعية بعض أصدقاء الذين كانوا في اليسار ومنهم بعض المعتقلين، شهد نقاشات سياسية عميقة وكثيرة بين ثلة من الأساتذة على هامش محاضرات المبرمجة في الجامعة، وقد أكد أبادرين أنه لأول مرة أثيرت قضية تأسيس حزب سياسي أمازيغي من طرف الأستاذ أحمد الدغرني.

وهو الحزب الذي تم تأسيسه سنة 2005 من طرف المرحوم الدغرني، لكن الدولة في شخص وزارة الداخلية رفعت ضده دعوى قضائية للحل والبطلان، وكان الاستاذ أبادرين من بين المحامين الذين ترافعوا في المحاكمة، كما ترافع أيضا لصالح مشروع حزب تامونت ابتدائيا واستئنافيا... لذلك بقي الاستاذ أبادرين بخبرته الحقوقية والقانونية وتجربته في مهنة المحاماة قريبا من الحركة الأمازيغية ومدافعا عنها أمام المحاكم سواء في مدينة مراكش (انظر دفاعه عن حزب تامونت للحريات امام منع السلطات) أو في باقي المدن.

وقد كان سخيا باستشاراته الحكيمة والسديدة التي كان يسديها للحركة الأمازيغية و منخرطا في ديناميتها الفكرية والثقافية ومدافعا وملتزما بترافعها الحقوقي والقانوني داخل المحاكم وخارجها، في الجمعيات والمنظمات والندوات التي يستدعى إليها.

هذه الورقة المختصرة عن الاستاذ أحمد أبادرين، جاءت بعد قرائتنا لسيرته الذاتية التي نشرها بعنوان "الخرصة"، وجاءت أيضا نتيجة رغبتنا في ترسيخ قيم الاعتراف داخل أجيال الحركة الأمازيغية الحالية والآتية، لكي تتعرف عن مسارات رجال ونساء ضحوا من أجل القضية الأمازيغية، وكذلك ايضا، كعربون اعتراف للأستاذ المحام النبيه والصديق أحمد أبادرين، أطال الله في عمره، وعرفان بكل ما قدمه في سبيل حقوق الإنسان بالمغرب.


تابعونا على الفايس البوك الجديد

 

 

 
تواصل
انشرها او انشريها على الفايس بوك
مقالات لنفس الكاتب عبدالله بوشطارت
ارسل المقال الى صديق
مقال قرئ 3400

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق kgvaxb84 هنا :    
 

 

 

 

   
   
   
   
   
 

 

 

مقالات اخرى








شهادة في حق داحماد الدغرني
بتاريخ : 2020-10-20 19:20:00 ---- بقلم : محمد بودهان



 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.