Français
English
 

 

 

معذرةً سيد بلال التليدي... نحن لن نبغي عن حرف تيفيناغ بديلاً

بقلم عبد السلام خلفي - AmazighWorld.org
بتاريخ : 2014-02-11 23:06:00


مرة أخرى يثيرُ السيد بلال التليدي المناضل في حزب البيجيدي قضية حرف الأمازيغية (أنظر المقال على الرابط http://www.hespress.com/writers/127901.html)؛ ومرة أخرى يتدخل مِنْ عَلٍ كي يعيدنا إلى نقاشات بيزنطية انتهت منذ أكثر من عشر سنوات؛ بل ومرّة أخرى يقترحُ علينا السيد بلال أن نُعيد النظر في حرف تيفيناغ لنستبدله بالحرف العربي على أساس أن حرف الأمازيغ لم يُعتمد إلا استناداً إلى "مجرد تصويت جرى داخل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية".

لقد انطلق السيد بلال التليدي كي يناقش هذا الموضوع من الموقف الغريب الذي أثاره الفريق البرلماني الاستقلالي والمتمثل في اقتراح أن تُكتَبَ "اللغة الأمازيغية بالحرفين معاً: تيفيناغ والحرف العربي". وللحقيقة فإن هذا الاقتراح / المنطلَق لا يُعبّرُ فقط عن التخبط الفكري الذي يعيشُ فيه هذا الفريق ولا عن نوع العقلية التي تُفكّرُ لمستقبل المغرب، بل يُعبِّر أيضاً عن مدى الإرادة المستهترة من أجل إفساد المنظومة التعليمية المغربية أكثر وعبْرَها إفساد وإيقاف تجربة تدريس الأمازيغية بشكل نهائي.

إن السيد بلال، وهو يرافعُ - للأسف- من أجل عدم الكتابة بحرف تيفيناغ، لم يقُل لنا إلا نصف حقيقة مشوّهةٍ عندما أعلن أن هذا الحرف لم يتم اعتمادُه إلا استناداً إلى "مجرد تصويت جرى داخل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية"؛ ولكأنه بإعلانه هذا يريدُ أن يختزلَ، عن سبق إصرار وترصّد، قراراً وطنياً وتاريخياً إلى حدوده الأدنى بل وأن يسلبَه كل الأسس التي تمنحه المشروعية؛ وكي أدلي للرجل بالحقيقة الكاملة غير المشوهة أقول له: إن المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية لم يكن هو من اتخذ قرار اعتماد هذا الحرف حرفاً رسمياً للغة الأمازيغية، إذ كل ما قام به أعضاء هذا المجلس هو أنهم قدموا رأياً استشارياً إلى جلالة الملك بعد اجتماعهم يوم 30 يناير 2003؛ وقد قدموا له هذا الرأي بالاستناد، أولاً، إلى الدراسات الدقيقة التي قامت بها في الموضوع مراكز البحث وبخاصة مركز التهيئة اللغوية؛ كما قدموه إليه، ثانياً، استناداً إلى الآلية الديموقراطية التي اعتمدوها والتي ارتكزت أساساً على مبدأ التصويت؛ وبطبيعة الحال فإن الملك لم يكن ليفصل في أمر جليل مثل هذا استناداً فقط إلى رأي مجلس كيفما علا شأنه، فبادر بعد تلقيه لهذا الرأي إلى جمع ممثلي الأمة والفاعلين السياسيين والمستشارين ومختلف رجالات الدولة كي يُشركهم في هذا الأمر، فباشر استشارات موسّعة شملت آنذاك الوزير الأول، ورئيس البرلمان ورئيس غرفة المستشارين وزعماء الأحزاب السياسية الوطنية الممثَّلين في البرلمان. وقد ثمّن كل هؤلاء الرأي الاستشاري المُقدّم من طرف مؤسسة المعهد، مما جعل جلالته يوافق عليه ومن ثَمّ الاعتراف به رسمياً في 10 فبراير 2003. ولا ننس أيضاً أن الحركة الأمازيغية بجميع أطيافها، وهي الحركة التي ناضلت وقدمت النفس والنفيس من أجل إعادة الاعتبار للهوية الوطنية بجميع روافدها ورموزها وضمنها حرف تيفيناغ، قد خرجت بدورها ببيانات وبلاغات تُثمّنُ هذا القرار التاريخي.

وهنا لابُدّ لي أن أضيف حقيقة أخرى صادمة وهي أن الحزبين الوحيدين اللذين تحفَّظا على اعتماد الحرف الأمازيغي العريق بوصفه حرفاً رسمياً هما حزبُ العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه السيد بلال التليدي وحزبُ الاستقلال الذي يريدُ اليوم أن يكتب فريقُهُ البرلماني الأمازيغيةَ بكل حروف العالم حتى يسهُلَ عليه إفسادها. والمؤسف له أن وجهاء كباراً بحزب السيد بلال التليدي وينتمون إلى أذرعه الدعوية قد خرجوا، قبل وأثناء وبعد مناقشة الحرف واعتماده الرسمي، بمواقف أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها خارجة عن كلمة الجماعة الوطنية. فهم حاولوا أثناء المناقشة التي جرت بمؤسسة المعهد التأثير بجميع الأشكال على قرارات أعضاء المجلس الإداري إما بالدعوة تارة لخروج أتباعهم إلى الشارع العام للتظاهر ضد أي قرار لا يتناسبُ مع معتقداتهم الإيديولوجية، أو بالتدخل، تارة أخرى، في مجريات النقاش وتحويره والتشويش عليه بحملاتهم الإعلامية الضاغطة وبمراسلاتهم التي وصلت إلى السيد عميد المعهد آنذاك، والتي يطالبونه فيها بأسلوب الآمر أن ينساق إلى رأيهم الذي اعتبروه الرأي المقدّس.

ومرة أخرى، ها هو ذا السيد بلال يعود، بعد أحد عشر سنة، وفي سياق جديد، لكي يقول لنا إن حرف تيفيناغ لم يُعتَمد إلا استناداً على "مجرَّد تصويت" (هكذا؟ !!)؛ وأن كل ما تمّ إنجازُه لحد اليوم من مكتسبات علينا التنصُّل منها والقذف بها في سلة المهملات؛ هل هي تسخينات ما قبل إنزال القانون التنظيمي للغة الأمازيغية الذي لعب حزبُ بلال دوراً أساسياً كي يُحولهُ إلى قيد في عنق الأمازيغية يُدميها ويخنقها ويوقف الحياة في عروقها؟ أم هي تسخينات لإعادة النقاش إلى الصفر، فننسى قيد القانون التنظيمي الذي سُدّت المنافذ إلى تفعيله بأمرٍ من حكومته، وننسى مكتسبات ما تم تحقيقه منذ 2001، وننسى الخطب الملكية الواضحة، وننسى كل المرجعيات السياسية والتربوية والتنظيمية، بل وننسى كذلك كل الأعمال الأكاديمية التي تحققت في مجال تكنولوجيا تيفيناغ وتنميط الأمازيغية ومعيرتها وتعليمها إلخ لكي نشحذ أسلحة السجال والفتنة التي قلنا إننا كدنا أن نتجاوزها؟ إن السيد بلال إذ يرفض كل المرجعيات المتحققة وكل المكتسبات يريدُ أن يعيدُنا إلى نقطة الصفر كي يستهلكنا في نقاشات يأملُ من ورائها أن تؤدي إلى الفتنة ثم إلى إلغاء قرار الموافقة الذي أعلنت عنه أسمى سُلطة في البلاد؛ فبالنسبة إليه أن نقطة المنطلق هو المجلس الوطني للغات والثقافة الوطنية الذي سيأتي عندما سيؤشر عليه رئيسُ حكومته الذي وصف يوماً تيفيناغ قدحاً بـ "الشنوية"؛ يقول السيد بلال: "والحقيقة أن استحقاق إصدار القانون التنظيمي للمجلس الوطني للغات والثقافة الوطنية، يمنح الفرصة لإعادة التفكير في الموضوع (أي في موضوع تيفيناغ)، ليس من قاعدة التعصب الإيديولوجي، ولا قاعدة المكتسبات، لأن هذه المنطلقات في التفكير، ستعيد التقاطب المجتمعي بين وجهة نظر ترى أن حرف "تيفناغ" هو الحرف التاريخي للأمازيغية، وهو الاختيار المحسوم، وبين وجهة نظر مقابلة، تريد أن تحافظ على كتابة الأمازيغية بالحرف العربي "كما جرى به العمل" تاريخيا في المغرب، وأن الهيئة المؤهلة دستوريا للحسم في قضية الحرف هو هذا المجلس، وليس مجرد تصويت جرى داخل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية".

بهذه الخلاصة، إذن، سيكون السيد بلال قد ألغى رأي المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وألغى موافقة جلالة الملك على هذا الرأي، وألغى موقف الحكومة في شخص الوزير الأول آنذاك، وألغى موقف البرلمان بغرفتيه، وألغى موقف زعماء الأحزاب السياسية المُمثّلين في البرلمان؛ بل وألغى كل نضالات الحركة الأمازيغية من أجل الحفاظ على رموزها الهوياتية والنهوض بها؛ فكل هذه المواقف تنطلق، إذا اعتمدنا منطق السيد بلال التليدي، "من قاعدة التعصب الإيديولوجي"؛ والأدهى من كل هذا هو أن السيد بلال لا يعترف بالمكتسبات المتحققة على الإطلاق؛ فهو إذ يُحيلُ على المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية بوصفها "الهيئة المؤهلة دستوريا للحسم في قضية الحرف" يرفضُ أن تنطلقَ هذه المؤسسة (الموجودة في علم غيب الحكومة البيجيدية) مما تمت مراكمتُه خلال أكثر من عقد من الزمن؛ إنه بصريح العبارة يرفض كل المكتسبات المتراكمة على مستوى المرجعيات (الخطب الملكية، الظهير المحدث والمنظم للمعهد الملكي، المرجعيات التربوية والتنظيمية الصادرة، مثلاً، عن وزارة التربية الوطنية إلخ) تماماً مثلما يرفض المكتسبات الأكاديمية التي تحققت على مستوى مراكز البحث المنتمية للمعهد الملكي وعلى صعيد الجامعات المغربية؛ إنه وبكلمة واحدة يريد أن يفكر ? كما عبّرَ عن ذلك بنفسه- خارج " قاعدة المكتسبات". أو إن شئنا الدقة أكثر قلنا إنه يريدُ أن يفكر انطلاقاً من مُعتقداته "المقدّسة" وخارج قاعدة البحث العلمي الذي تم إنجازه في مجال الأمازيغية بل وكذلك خارج قاعدة التوافق الوطني الذي تحقق حول هذا الحرف والذي عُدّ في سنة 2003 انتصاراً كبيراً للوطنية المغربية وللسلم الاجتماعي المغربي.

والأخطر في كل هذا هو أن السيد بلال لا يتحدث وحده، ولكن يتحدث ومعهُ ووراءه وأمامهُ أذرعٌ دعوية تشتغلُ بجد هذه الأيام من أجل اختطاف القضية الأمازيغية؛ فبعدما جمّدت حكومتُه كل إمكانيات النهوض بهذه اللغة وثقافتها في التعليم وفي كل المجالات الحيوية التي نص عليها الخطاب الملكي في أجدير سنة 2001، بدأت هذه الأذرعُ في التحرّك إما بإنشاء جمعيات دعوية إضافية سمتها جمعيات أمازيغية (والتي لم يتردّد بعضُها في تكريم من يَسبّ الأمازيغ)، أو بإنشاء رابطات دعوية أخرى سمتها، مرة أخرى، أمازيغية. كل هذا استعداداً للانقضاض على ما تبقى من الرموز الأمازيغية داخل المجالس حيث تُتّخذ القرارات المصيرية، واستعداداً لمقاومة ذلك القانون التنظيمي الذي يريدونه قيداً ينزلونه على مقاسهم الدعوي. في هذا السياق بالضبط، إذن، يعود إلينا السيدُ بلال، لكي يعيد التفكير في كل ما ناضل من أجله المناضلون الأمازيغيون الحقيقيون؛ عاد إلينا ليسائلنا- نحن- عن الحصيلة؛ ولكأننا نحن من يجبُ أن يُساءَل عن هذه الحصيلة، وليس حزبه الذي يقود الحكومة؟ !!؛ عاد ليسألنا عن حصيلة الحرف وعلاقته باللغة الممعيرة؛ عاد ليشكك في إمكانيات اكتساب تيفيناغ من طرف الصغار والكبار؛ عاد ليُسائلنا عن الحق الدستوري الذي يضمن، في رأيه (وأي رأي !!!!!؟) رفْعَ "الحائل" (أي تيفيناغ) عن كل المغاربة؛ عاد، ويالها من عودة، لكي يَمُنَّ علينا بالكُلفة المالية "الهائلة"، وكأننا، نحن الأمازيغ، جئنا من المريخ غزاةً لهذا الوطن ولسنا أبناءً لهذا الوطن !!! عاد وهو يتباكى على الامتداد العالمي للأمازيغية الذي تعرقلهُ "المشؤومةُ" تيفيناغ؛ عاد وفي قلبه غُصّة على التراث الثقافي الأمازيغي المكتوب بالحرف العربي والذي ستغتالُه بدون شك هذه التيفيناغُ "اللعينة".

تيفيناغ هذا الرمز التاريخي الذي يعود إلى أرض تامازغا منذ أكثر من 5400 ق.م؛ هذا الحرف الذي وشمتْ به النساء الأمازيغيات وجوههن لمئات القرون حفاظاً عليه؛ هذا الحرف الحاضر بقوة في كل مظاهر الحياة الأمازيغية على الصخور منقوشاً وفي الحلي والزرابي والخزف والمنقوشات إلخ؛ هذا الحرف الذي اعتبرهُ الأمازيغُ قديماً حرفاً منزّلاً من عند الإله، والذي ظل شعبُ الطوارق يكتبون به إلى اليوم؛ هذا الحرف الذي تم الاعتراف به رسمياً من طرف الدولة المغربية والذي تم اعتماده حرفاً لتعليم الأمازيغية منذ 2003، بعد أن تم تنميطُه وتقعيدُه ووُضعت له المعاييرُ الخاصة للكتابة به على الحاسوب، بل والذي اعترفت به المنظمةُ الدولية لمعيرة الخطوط ISO UNICODE سنة 2004، ثمَّ أُدرجَ منذ سنة 2012 في نظام وينداوز 8؛ هذا الحرفُ العريق الذي دخل العالمية بالاعتراف الدولي المذكور، والذي اعتُبرَ من أحسن الخطوط وأسهلها وأكثرها قابلية للاكتساب من طرف الصغار والكبار على السواء إلخ... هذا الحرف... يريدُ السيد بلال التليدي لنزوة إيديولوجية عابرة أن يمحوَهُ من التاريخ المغربي ومن المدرسة المغربية ومن التكنولوجيات الجديدة ومن كل المظاهر المؤسساتية التي تمنح الحياة للرموز.

لقد قام المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بدراسة أكاديمية تشخيصية للتعلمات التي يتلقاها أبناؤنا في القراءة والكتابة بحرف تيفيناغ؛ وقد أُنجزت هذه الدراسة سنة 2009-2010؛ حيث مست هذه الدراسة سبع أكاديميات على الصعيد الوطني، وشملت حوالي 1100 تلميذ (ة) يدرسون بالمستوى الثاني من التعليم الابتدائي؛ وكم كانت النتائجُ مبهرةً؛ إذ تمكن كل المتعلمين والمتعلمات من المهارات الأساسية المتعلقة بالكتابة بحرف تيفيناغ؛ فوصلت النتائج الإجمالية للإتقان إلى أكثر من 80 في المائة، وهذا بالرغم من أن هؤلاء الأطفال لم يكونوا يدرسون حصص الأمازيغية بشكل منتظم؛ بل ولم تكن مدارسُهم تحترم هذه الحصص التي لا تتجاوز الثلاث ساعات في الأسبوع؛ والمدهشُ حقا هو أن هؤلاء المتعلمين والمتعلمات أصبحوا وفي فترة يسيرة يتقنون مهارات الكتابة بحرف تيفيناغ أكثر من إتقانهم لمهارات الكتابة بالحرفين العربي واللاتيني؛ وهذا، مرة أخرى، بالرغم من أن حصص اللغة العربية واللغة الفرنسية والمواد التي تُدرّسُ بهما هي أكبرُ بكثير من الحصص التي تُدرّسُ فيها الأمازيغية وبشكل غير منتظم؛ وبطبيعة الحال فإن الأكثر إدهاشاً هو أن إتقان الكتابة بالأمازيغية لم يكن مقتصراً فقط على الناطقين بها، بل إن أغلبية المتعلمين والمتعلمات الذين شكلوا عينة الدراسة كانوا ناطقين بالعربية فقط، فمن ضمن 1100 تلميذة وتلميذ منهم 763 لا تشكلُ الأمازيغية لغتهم الأولى (النسبة المئوية بلغت %69.4)؛ وأما بالنسبة للناطقين بالأمازيغية فلم يكونوا يشكلون سوى 322 تلميذة وتلميذ، أي بنسبة مئوية بلغت %29.3؛ وقد خلصت الدراسة إلى نتيجة أساسية وهي أن حرف تيفيناغ لا يطرحُ أي مشكل تعليمي خاص، وأن تعلم اللغة الأمازيغية بتوظيف هذا الحرف يعتبر أمرا يتساوى فيه التلميذ الذي تشكل اللغة الأمازيغية لغته الأولى والتلميذ الذي تشكل العربية الدارجة لغته الأولى؛ والحقيقة أن هذه النتائج التي تشكل إحدى المكتسبات الأساسية لتجويد منظومتنا التعليمية هي التي تُزعج السيد بلال التليدي؛ ولذلك فهو يريد أن يعيد النقاش إلى بداياته الأولى ضارباً بعرض الحائط كل المرجعيات والمكتسبات، ومُلغياً قرار أسمى دولة في البلاد؛ إنه يريدُ لهذه المؤسسة الجديدة (مؤسسة المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية) التي ستكون بدون شك تحت وصايتهم أن تمحوَ كل شيء، وتُعرقل كل شيء جميل في الأمازيغية، بل وأن تقف حاجزاً في وجه النهوض برموزها وفي وجه النهوض بمنظومتنا التعليمية التي لا يريدونها إلا فاشلة.

يحاول السيد التليدي أن يوهمنا أن الكتابة بالحرف العربي سيجعل كل المغاربة يتقنون الأمازيغية؛ ويحاول أن يوهمنا أن الكتابة بالحرف العربي سيجعل الأمازيغية لغة عالمية؛ ويحاولُ أيضاً أن يوهمنا أن الكُلفة المالية لحرف تيفيناغ أكبرُ من أن تتحملها الدولة؛ ويحاولُ أن يوهمنا أن المعيرة حجر عثرة وأن الكتابة بالحرف الأصيل سيضيِّعُ علينا تراثنا الأمازيغي المكتوب بالحرف العربي إلخ ويحاول ويحاول إلخ؛ وهنا أريد أن أطرحَ على السيد بلال بعض الأسئلة:

1- هل أنت متأكد يا سيد بلال أن اعتمادك الحرف العربي في كتابة الأمازيغية سيجعلُك تعرف وتتقن اللغة الأمازيغية دون أن تدرس قواعدها ومعجمها وأساليبها وتعابيرها؟ هل أنت متيقّنٌ أن الحرف يساوي اللغة؟ إذا كان الجواب بالإيجاب، فهل كل العرب الذين يعرفون الحرف العربي يتقنون اللغة الفارسية ولغة الأوردو مثلاً دون أن يقضوا السنوات الطوال في تعلم قواعدهما المورفولوجية والتركيبية والأسلوبية؛ ألا ترى معي أن اللغة شيء وأن الحرف الذي تُكتبُ به شيء آخر؟ لنفرض، مثلاً، أنك تعرف الحرف اللاتيني فهل أنت تُتقن اللغة التركية واللغة الماليزية؟ ألا تتفقُ معي أن تَعلُّم اللغة شيء وأن الكتابة بحرف قد تقتسمُه مع لغة أخرى شيء آخر؟ هل كلُّ الألمان يعرفون اللغة الفرنسية واللغة الإسبانية لمجرد كونهم يكتبون بالحرف اللاتيني؟ إن كل منطلقاتك، ياسيدي، خاطئة، ولذلك أطلُب منك أن تُعيد النظر فيها، كي لا تحاكمنا محاكمة الخاطئين.

2- هل أنت متيقن أن مجرّد اعتمادنا للحرف العربي سيجعل الأمازيغية بين ليلة وضحاها لغة عالمية كما هي العربية؟ هل يكفي أن تكتب بهذا الحرف أو بأي حرف آخر أكثر عالمية لكي تُصبحَ لُغتك عالمية؟ هل فقط لأن المالطيين اعتمدوا الحرف اللاتيني فأصبحت لغتُهم عالمية؟ وهل فقط أن الإسرائليين لم يعتمدوا الحرف اللاتيني فأصبحت لغتهم لغة محلية؟ وهل كل الشعوب التي اعتمدت الحرف اللاتيني قد أصبحت لغاتها عالمية وتُقرأ في العالم لمجرد أنها كتبت باللاتينية؟ إذا كان جوابك بالإيجاب فإننا يا سيدي نفضل أن نتبنى الحرف الأكثر عالمية في العالم وليس الحرف الذي يأتي في الدرجة الثانية أو الثالثة. ولنفرض أننا جدلاً تبنينا الحرف العربي ألا تخاف أن يُشكل ذلك خطراً على اللغة العربية نفسها نظراً لما سينتج عنه من تداخلات كبيرة بين القاعدة الإملائية الأمازيغية مع القاعدة الإملائية العربية كما يوضّحُ ذلك رجال ونساء علوم التربية؛ ألا ترى معي أن ما تُدافعُ عنه وتعتبره مكسباً للعربية قد يشكل عرقلة كبيرةً في إتقانها وانتشارها العالمي الذي تريدُه للأمازيغية؟

3- وهل تعتقد يا سيد بلال، إلى جانب كل هذا، أننا مهووسون بالعالمية كما أنتم مهووسون بها؟ إننا، يا سيدي، لا نريدُ إلا شيئاً واحداً، هو أن نعيش ثقافتنا وانتماءنا وهويتنا ووطنيتنا في تناغم وتفاعُل مع العالم المتعدد والمتنوع المحيط بنا منفتحين عليه غير منغلقين، متسامحين غير متشنجين ولا فارضين نموذجنا على أحد. فنحنُ لا نريدُ أن نهيمن ولا أن نفرض عالميتنا التي تريدون أنتم فرْضَها على الأمم والثقافات والحضارات. كل ما نبتغيه هو أن نعيش وسط الناس والشعوب مسالمين ومساهمين في الحضارة الإنسانية بالقليل الذي لدينا. إن عالميتنا، يا سيد بلال، توجد في محليتنا وفي رموزنا الصغيرة وفي تفاصيل حياتنا وثقافتنا الأثيرة وفي كل القيم النبيلة التي نشتركُ فيها مع العالمين؛ ولذلك ثق فإننا لا نبتغي العالمية، إن ابتغيناها، إلا بحَرفنا تيفيناغ؛ إننا لسنا بحاجة إلى عالمية نفرضها بقوة السلاح وبقوة الدكتاتورية والكراهية والإقصاء. اللهم إن محلّيتنا أحبُّ إلينا في إنسانيتها من عالمية لا تنتعش إلا بقتل رموز الآخرين.

4- ثم إنكَ، عجباً يا سيد بلال، لا ينزلُ عليك وحي الكلفة المالية الباهظة إلا عندما يتعلّق الأمر بالأمازيغية؛ أتعتبرُ رموز الأمازيغية وثقافتها وامتدادها التاريخي أقل قيمة من رمزية الحرف العربي ومن كل الثقافات الأخرى العالمية؟ أتومنون ببعض الرموز الوطنية وتكفرون ببعض؟ قُلْها، إذن. أتعتبرُنا- نحن- الأمازيغ أكثر كُلفة من إخواننا الناطقين بالعربية؟ ولذلك توقفت حكومتُكم عن صرف الكلفة الأمازيغية؛ هل تساءلتَ يوماً يا سيد بلال عن الكلفة المالية الباهظة للعربية وحرفها منذ أن خلقك الله على هذه الأرض المغربية؟ لماذا لم تطرح نفس الأسئلة على تكلفة الحرف العربي تماماً كما تطرحُها اليوم على الحرف الأمازيغي؟ هل فقط لأن الأمازيغية "رصيدٌ مشتركٌ لكل المغاربة" ?كما نجد ذلك في الدستور وفي الخطب الملكية- لكي تسمح لك نفسُكَ أن تكيلَ بمكيالين؟ إنني أحيلُك يا سيد بلال، لكي تعلم مشاكل الكلفة في العربية، على الأعمال الأكاديمية التي قام بها المرحوم لخضر غزال المدير السابق لمعهد التعريب بالمغرب كي تتأكد من الإكراهات الحقيقية التي يتخبطُ فيها الحرفُ العربي؛ وأحيلُكَ أيضاً على كتابِ لأكثر المدافعين عن التعريب، وهو كتاب "من اللغة إلى الفكر" لعبد الكريم غلاب لتعرف أيضاً هذه الإكراهات العويصة والتي تكون قد كلفت المغرب الملايير دون أن تنبَسَ بِبِنت شفة؛ لا أريدُ أن أسترسلَ في تقديم المراجع لك، ولكن الشيء الوحيد الذي أريدُ أن أؤكد عليه هو: أننا يا سيد بلال أبناء لهذا الوطن، لنا فيه، أنا وأنت وجميع المغاربة أمازيغييهم وعربهم، نفس الحق، وإذا كنتَ غير متفق على هذا المُعطى الحقوقي وتستَخسِرُ فينا، نحن الأمازيغ، الكُلفة المالية التي هي حقُّنا، فاطرُدنا، إذن، من هذا الوطن لكي يُصبح لكَ وحدكَ ولجماعتك.

كلمة أخيرة: إن مشكلتكم يا سيد بلال هو أنكم تتصورون الوطن في صورة الجماعة؛ وعندما تضيقُ الجماعة عن استيعاب الوطن في تنوعه وتعدده فإنكم تنفجرون.


تابعونا على الفايس البوك الجديد

 

 

 
تواصل
انشرها او انشريها على الفايس بوك
مقالات لنفس الكاتب عبد السلام خلفي
ارسل المقال الى صديق
مقال قرئ 3184

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 

1 التعليق رقم :
ali بقلم :
amya تحت عنوان :
Unkwown البلد :
 
هذا الحرف الذي وشمتْ به النساء الأمازيغيات وجوههن لمئات القرون حفاظاً عليه
ce caractère est combattu par les PJDieste sur les visages de ces femmes avec des armes religieuse
 
 

 

2 التعليق رقم :
goud بقلم :
تحت عنوان :
Unkwown البلد :
 
في بداية النقاش حول الحرف الدي ينبغي أن تكتب به الأمازيغية ،ألم يهرع جل الناشطين الأمازيغوين الى اعتناق الحرف الأوروبي بدعوى أنه الكوني؟
ألم يكن الصراع بين الحرفين العربي أو الأرامي حسب تعبيركم والحرف اللاتيني الذي تسمونه الكوني؟وحرف تيفيناغ حينهاكان قد أنهى مهمته.
الم يكن ذلك نوعا من (الحريك)نحو الضفة الشماليةعلى متن الحرف (( الكوني))؟
 
 

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق iv7uh4k6 هنا :    
 

 

 

 

 

 

   
   

الجزائر

 
   
مصر  
   
المغرب  
   
جزر الكناري  
   
موريطانيا  
   
ليبيا  
   
مالي  
   
تونس  
   
النيجر  
   
عريضة  
 
 

 

 

 

مقالات اخرى








ما هكذا تورد الإبل يا استاذ
بتاريخ : 2021-11-13 05:21:00 ---- بقلم : الطيب أمكرود








 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.