Français
English
 

 

 

الفقر القاتل صناعة رسمية


فاجعة مقتل 15 امرأة بمنطقة الصويرة تسائل ضميرنا الوطني ليس على مستوى جزئيات الحادث وحيثياته العابرة، بل في أسبابه الكبرى البنيوية والعميقة، والمرشحة للدوام والاستمرار.

فالنساء الفقيدات من فئة الفقراء المعدمين، لم يهلكن فقط بسبب الزحام الذي أدى إليه سوء التنظيم، والتلهف على حفنة دقيق وجرعة زيت، وانعدام أي تأطير لهذه الفئة من المواطنين التي تعاني الهشاشة في كل شيء، بل قبل ذلك هلكن بسبب وجود وضعية اضطرتهن إلى تسول كرم المحسنين، سواء الرسميين أو الخواص، أولائك الذين يحبون كثيرا رؤية الفقراء يزدحمون على أبوابهم ويتهافتون من أجل أعطيات بئيسة، لا تساوي شيئا أمام كرامتهم، وإزاء ما يقاسون من شظف العيش ومرارة الفاقة.

إنها وضعية ساهمت فيها عوامل كثيرة أولها احتكار مراكز النفوذ والثروة من قبل قلة قليلة مستفيدة من كل الامتيازات، وثانيها سوء توزيع الثروة الوطنية وشيوع الفساد والإفساد، وثالثها مراكمة الرساميل في مثلث صغير دون بقية جهات الوطن المنسية، وترسيخ المركزية مع إشاعة كلام متضخم حول الجهوية واللامركزية فارغ من أي محتوى جدّي، ورابعها استمرار مفهوم "الرعية" في سياسة الناس والتعامل معهم كالمتاع أو قطعان البقر، وخامسها نشر ثقافة التسول والتواكل والصدقات والدعاية لها عبر وسائل الإعلام وفي النشرات الرسمية، الدعاية لكسرة خبز مسروقة، يعيدونها لأصحابها مطالبين مقابلها بالولاء والعبودية.

هذه الوضعية المأساوية تقتات منها السلطة، ويعيش عليها أيضا جوارح الحياة السياسية من أكلة الجيف، أولائك الذين يستفيدون قبل غيرهم من أوضاع الفقر والتخلف والهشاشة، فيأتون ـ في غياب الدولة ـ بالأموال من الإمارات العشائرية النفطية، ويغدقون قسطا منها على المهمشين، ثم يطالبونهم بعد ذلك بالمقابل من ذممهم وأصواتهم، ويتركون القسط الأوفر لكي يعدوا به "رباط الخيل" لخصومهم السياسيين، دافعين بالبلد نحو المجهول.

هكذا نعيش دوامة لا مخرج منها في غياب الأسس الفعلية للتنمية وللمواطنة الحقة، دوامة يلهو فيها الناس بقشور الحياة في الوقت الذي يلتهم لبّها قلة من المحظوظين.

إن "الفقر هو أسوأ أشكال العنف" كما قيل، وهو عنف يمارس على الفقراء بشكل مضاعف قبل أن يصدر عنهم.


الكاتب: أحمد عصيد

بتاريخ : 2017-11-21 00:42:00

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 4103 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق qjv3lrb5 هنا :    
 

 

 

 

 

 

   
   

الجزائر

 
   
مصر  
   
المغرب  
   
جزر الكناري  
   
موريطانيا  
   
ليبيا  
   
مالي  
   
تونس  
   
النيجر  
   
عريضة  
 
 

 

 

 

مقالات اخرى






من أجل بعث روح وفضاء "تومليلين"
بتاريخ : 2019-05-01 11:05:00 ---- بقلم : أحمد عصيد










 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.