Français
English
 

 

 

العلمانية والديمقراطية


ألأمر الذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع بعد فترة طويلة لتناولي إياه في السابق مرده الأساسي هو التشويش الذي يزداد أحاطة بمعنى كلمة علمانية والذي أدى إلى الكثير من عدم الفهم لهذه الكلمة..وطبعا هذا حدث بقصد ممن يرغبون في تشويهها أو بدون قصد لمن لم يستوعبوا المعنى الصحيح لها.فالمعنى السائد والمنتشر في الكثير من بلدان الشمال الأفريقي والشرق أوسطي هو أن العلمانية تعني الإلحادوالكفر بالله وبالأديان السماوية بينما هي بعيدة كل البعد عن هذا المفهوم الخاطئ..

وفي الحقيقة إن العلمانية لا تعادي الدين بل هي تؤمن بحرية الفرد وفي حرية إختياره للمعتقد الذي يؤمن به وترى أن للكل الحرية في الإيمان بدينه وعدم التعدي أو منع أي شخص من الإيمان بالطريقة التي يراها ويؤمن بها ويزاولها.فكل الأديان والمذاهب الدينية والمعتقدات يمكنها أن تعيش وتتعايش من أجل المضي قدما من أجل مستقبل أفضل في مجتمع تعددي ديني وفصل الدين عن الدولة والسياسية وخير دليل لنا على تعايش الأديان والأعراق الإثنية المختلفة هو ما نراه في الهند، وكان جواهر لآل نهرنو قد عرف العلمانية كالتالي " يعتقد بعض الناس أن العلمانية تتعارض مع الدين وهذا الإعتقاد خاطئ. العلمانية تحترم كل المعتقدات بالتساوي وتعطي لكل واحدة منهم فرص متساوية؛ الهند لها تاريخ طويل من التسامح الديني.....وفي بلد مثل الهند والذي يوجد به العديد من الديانات والمعتقدات ولا يمكن تكوين الإحساس والإنتماء الوطني إلا في ظل العلمانية."أما ما نراه في تركيا العلمانية والتي تبنت العلمانية منذ أيام أيام مصطفى أتاتورك أي منذ ما يقارب التسعين سنة وسكانها مازالوا مسلمين ومازالت دولة مسلمة بل نسبيا قد زاد عدد المسلمين فيها وأيضا ...وفي الدول الدول الأوروبية جميعها وأمريكا الشمالية (كندا والولايات المتحدة) واللتان تبنت العلمانيةكمنهج لحيات مواطنيها نجد أن الديانة المسيحية لم تنقرض فيهما بل مازال أغلب السكان الأوروبيون وسكّان كندا والولايات المتحدة يدينون المسيحية ويمارسون طقوسها بالرغم من أن دولهم قد قامت بفصل الدين عن الدولة والسياسة منذ قرون مضت....

العلمانية التي صنعت مايعرف اليوم بالعالم الحديث وأسست ثقافته المبنية على العلم التجريبي وبنت الحضارة في العصور الحديثة والمبنية عل تقدم الصناعة هي كلمة حديثة التعريف في القاموس الإنساني حيث نجد أنهاإستخدمت في سياقها بعد نجاح الثورة الفرنسية والتي نادت بفصل الدين عن سياسة الدولة التي تنتهجها وإعتبار الدين شيئ روحي وذاتي وشخصي يرتبط به الإنسان بالخالق وأن الإنسان يعيش في الأرض وفي وجود دولة تقنن نظام وسير الحياة في بلادها وبشكل وأسلوب وضعي يكون فيها الناس سواسية أمام القانون لهم حقوق وعليهم واجبات يطالبون فيها بحقوقهم المشروعة ويؤدون واجباتهم وتقوم الدولة العلمانية الديمقراطية بتطبيق القانون على كل. المواطنين ويتم كل هذا بعد وضع دستور يراعي فيه كل ما يخص مجتمع هذه الدولة من حقوق وواجبات ومواطنة لكل الإثنيات التي تشكل المجتمع وتتم موافقة الشعب عن هذا الدستور في إستفتاء عام.
ويتم تحقيق المجتمع الديمقراطي والذي يلغي كل المعيقات التي تحد من إنطلاق حرية الفكر في كل المجالات والذي أكرر مرة أخرى أنه لتحقيق ذلك لابد من فصل الدين على الدولة والسياسة وإعتباره شأنا خاصا وعقيدة فردية ليس لها علاقة مباشرة بشؤون المجتمع .إن الدين هو إرتباط روحي وأخلاقي بينما السياسة هي برجماتية التصرف والمنأى...وهنا يجب التأكيد أن الديمقراطية لا يمكن أن تتواجد وتمنوا حقاً إلا في مجتمع علماني بينما نجد أن العلمانية ممكن أن تتواجد في دولة غير ديمقراطية مثل ماحدث في دول أوروبا الشرقية والتي كانت تتبنى نظام الحزب الواحد الشمولي.فالديمقراطية الحقة لا يمكن أن تكون دوغما أو اإتجاه سياسي معين وإن كانت كذلك فلن تكون ديمقراطية وما أثبتته لنا التجارب الديمقراطية في مختلف الدول هي أن الديمقراطية إنما هي أسلوب سياسي تتعايش فيه كل الإتجاهات السياسية المختلفة والتي تتولى الحكم بأسلوب التناوب حسب ما تمليه صناديق الإقتراع...والديمقراطية هي التي تعني التعددية السياسية وحرية المعتقد وهذا يتمشى مع الدولة العلمانية...

وتقوم الدولة العلمانية عن طريق مؤسساتها المختلفة وتتولى المؤسسات الأمنية من بوليس وجيش حماية المواطنين وصد المخالفين للقانون في تقديمهم للمؤسسة القضائية لمقاضاتهم وإصدار حكمها بمعاقبتهم أو برائتهم وذلك حسب القوانين التي صدرت من روح دستور البلاد.

ومن هنا فإن الدولة تجازيئ أو تعاقب المواطنين بالقوانين الوضعية المعمول بها في البلاد أما الدين فهو إرتباط روحي كما سبق وأن ذكرت بين الإنسان والله ولكل إنسان حق الإيمان ومزاولة الشعائر الدينية حسب قوة إيمانه وسيتم محاسبة الإنسان على كل ما قام به في دنياه من مزاولة لأركان الشريعة وما يترتب عليها من أعمال خير أو شر وكما ذكر في القرآن الآيتين 7,8 من سورة الزلزلة "فمن يعمل مثقال ذرة خير يره "و"ومن يعمل مثقال ذرة شر يره"...هذا يعني أن الله سيحاسبنا ويقاضينا حسب ما جاء في تعاليم القرآن وكذلك ستتم المجازاة والمعاقبة حسب رصيد الإنسان من الحسنات أو السيآت التي قام بها في الحياة الدنيا كما يقول القرآن في سورة القارعة الآيات 6,7,8,9,10,11 "فأما من ثقلت موازينه "و"فهو في عيشة راضية "و"وأما من خفت موازينه "و"فأمه هاوية"و"وما أدراك ماهيه"و" نار حامية".

فالحساب في الدنيا حساب وضعي ودنيوي ويتم تتطبقه حسب القوانين الوضعية الجارية والمعمول بها في الدولة المعينة ...أما حساب الآخرة فهو حساب مبني على مدى جدية إيمان الشخص وتطبيق التعاليم الدينية ومدى وجود الخير في تصرفات الإنسان والإبتعاد عن الشر حيث أساس الدين الإسلامي يتمثل في الحديث النبوي القائل "الدين المعاملة"..ولا يجب الخلط بين موضوع الدين وبين التعامل في الحياة الدنيا.

الدين يقوم على العبادة وهذا ينطبق على كل الأديان السماوية منها وغير السماوية وينقل لنا التاريخ المعارك والحروب التي جرت بين الأديان المختلفة وكل دين يدعي أنه هو الدين حامل الحقيقة الكونية وبدا عندما تكون الدولة دينية يصبح من الإلزام عليها إعلان الحرب على الدول التي لا تدين بدينها ومحاولة فرض دينها على الدول الأخرى أوعلى الأقل فرض سيطرتها على الدول التي لا تدين بدينها.

بل أنه هناك من الشواهد التارخية التي تبين الأقتتال بين الدول الأسلامية المختلفة والتي تعتنق الدين الإسلامي وسكانها يمارسون الشعائر الإسلامية كل على حسب ما يتمكن من القيام به ولكن كل دولة من هذه الدول تبرمج وتنظم علاقاتها مع الدول الأخرى حسب إرتباطاتها الدولية ومصالحها المختلفة.وهذا قد يضعها في مواجهة أحيانا حتى عسكرية مع دولة إسلامية أخرى الأمر الذي يؤدي إلى إقتتال المسلمين ضد بعضهم.والسؤال هو كيف يكون دين وتشريع ونظام هده الدول هو الإسلام ويتواجد خلاف حتى الإقتتال بينهم ؟؟؟؟ ولكن مصالحهم الدنيوية هي التي أملت وشرطت عليهم ذلك وهذا واقع وضعي لا يمكن تلافيه وتحاشيه،وفي هذا يبدو التناقض بينهما فهم يقومان بقتل المسلمين المؤمنين بالله الواحد! وهذا كثيرا ما حدث بين دول إسلامية كمثال وليس الحصر عندما غزت العراق الكويت والمعارك التي تقوم بين المغرب والبوليساريو أو المغرب والجزائر وتلك التي قامت بين ليبيا ومصر في عام 1977وبين ليبيا وتونس في عام 1979 وتلك التي قامت بين السعودية واليمن..وهذا مرجعه أساسا هو إستحالة الوحدة الدينية ولكل منهمله تفسيره في الدين حسب ما تمليه عليه مصالحه والأوضح في هذا الشأن الصراع بين المسلمين السنة والشيعة.

وهنا يجب أن نذكر أن الوعي العلماني والمدني هو الذي يجب أن يحكم الدولة لأن الوعي لا يتبنى المطلق في سياسته وتحليلاته النهائية بينما نجد عكس ذلك عند الوعي الديني حيث أنه أصلا مبني على المطلق وليس النسبي كما هو الحال في الوعي العلماني المدني...والدول الحديثة والعصرية تقوم على الوحدة الوطنية بغض النظر عن دين الأفراد وعن إنتمآتهم العرقية،أي بمعنى آخر تبنى الدول على المواطنة التي تعترف بكل مواطنيها وحقوقهم الدوسترية...

محمد شنيب
طرابلس 01.12.1917


الكاتب: محمد شنيب

بتاريخ : 2017-12-19 17:57:00

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 6473 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق e7d8etkx هنا :    
 

 

 

 

 

 

   
   

الجزائر

 
   
مصر  
   
المغرب  
   
جزر الكناري  
   
موريطانيا  
   
ليبيا  
   
مالي  
   
تونس  
   
النيجر  
   
عريضة  
 
 

 

 

 

مقالات اخرى
في طرابلس "أمازيغي" من قلب "سوس"
بتاريخ : 2019-04-22 21:31:00 ---- بقلم : مصطفى منيغ



ليبيا وعوامل فشل الحل السلمي
بتاريخ : 2018-06-11 22:34:00 ---- بقلم : احمد الدغرني


ماذا يريد الأمازيغ في ليبيا
بتاريخ : 2018-03-28 09:01:00 ---- بقلم : محمد شنيب

17 فبراير،ليبيا إلى أين
بتاريخ : 2018-02-01 08:11:00 ---- بقلم : محمد شنيب


الهوية والإنتماء
بتاريخ : 2017-12-25 21:05:00 ---- بقلم : محمد شنيب

ليبيا المكونات الثقافية
بتاريخ : 2017-12-07 10:29:00 ---- بقلم : محمد شنيب







 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.