Français
English
 

 

 

ماذا عن التعايش؟



تهليــــــــــل:

تقول الأسطورة أنه وفي قديم زمان، شاءت الظروف أن عاش في أرض الشمال عملاقان قويان بالقرب من بعضهما، ولخلافات بسيطة نشبت بينهم اختلافات أودت بكليهما الى الصراع والتقاتل، كان الأول يدعى مازيغ والأخر عربي، كانا دائما وفي وقت محدد يلتقيان في مكان منزو عن المدينة ويتقاتلان بكل شهامة وحماس وكل منهما يهدف لا قصاء الآخر من الوجود، دامت الحرب بينهما سنين طويلة دون أن ينتصر أحدهما على الأخر، وفي ذات يوم راح أحد العمالقة الى ساحة القتال فوجد عدوه غائبا، فبدل أن يفرح ويهلل بخسارة الأخر انتابه شعور عسير من الألم والحزن، ولم يكن يعرف السبب في ذلك، وبعد ذلك راح يسأل عنه وهو حائر لسبب شغفه به حتى أنه أقر بأنه يحبه، لكن عندما وصل الى عتبة بابه وجد أن خصمه قد مات، وترك رسالتا لعدوه يقول فيها: عذرا لأنني لم أكن في الساحة حيث يجب أن أكون، لكنني أردت منك أن تعرف بأنني اعتدت عليك وأحببتك

صدم نضيره وقام بمراسيم دفن لائقة لعدوه أو صديقه فهو لا يعرف موقفه بعد، لكنه حزن حزنا شديدا على غيابه، وانعزل عن المجتمع وأكمل بقية حياته يتحسر على صديقه......

الحرب الأهلية:

انه ليس من البعيد بتاتا الوقوع في شباك الحرب الأهلية إن استمر الوضع في شمال افريقيا على حاله، بحيث نشهد أن الصراع العربي الأمازغي متأصل وحاد لدرجة لا تطاق فهل يعود السبب لعدم قدرة الطرفين على التعايش فيما بينهما؟ أم أن واقع الحال يشير الى أن استمرار الصراع هو من أجل الصراع فقط؟ ألم تصل شعوب هذه المنطقة حتى للحد الأدنى من النضج بمكان للتعايش مع اختلاف الأعرق وتوحد التوجهات والأهداف؟


لقد استطاعة ماليزيا تجاوز فخ الحروب الأهلية التي تتولد من الصراع العرقي بين الماليو والصينيون والهنود، وان أفضل دليل على امكانية تخطي الخلافات العرقية هو البلد الأسيوي الأكثر كثافة من حيث التعداد السكاني والتنوع العرقي والديني، انها الهند: بحيث أن الوثائق التاريخية تشير لتواجد خليط عرقي هائل نذكر منهم: الأقزام الزنجانيون، والأسيويون الأستراليون الأوائل،، وكذلك المهاجرون من شواطئ البحر المتوسط ومن أسيا الدرافيدان الموجودون الآن في الأجزاء الجنوبية من الهند، ومع كل ذلك استطاع الشعب الهندي التعايش مع الاختلاف وتحقيق الاستقرار، لكن هل يمكن القيام بذلك في شمال افريقيا؟

نلاحظ أن كل من العرقين ( الأمازيغي والعربي)، يتعايشان في الحياة الاجتماعية بتجانس أكثر منه في الحياة السياسية، وقد استطاعوا التعايش فيما بينهما بشكل سلس بل وحتى أنهم اختلطوا عرقيا بسبب التزاوج وغيرها من الأسباب والدليل القاطع على ذلك هو التكاتف من أجل التصدي للجرف الاستعماري الأوربي التقليدي، وحدة الصراع في الحياة الاجتماعية تكاد تنعدم، اذن هل المشكلة سياسية بحتة؟

ان السبب الوحيد لتولد الصراع العربي الأمازيغي وخصوصا في الجزائر، قد بدأ بعد الاستقلال، ونحن لا ننكر الصراعات التاريخية، لكننا هاهنا نتحدث من باب الدولة الجزائرية الحديثة، وسبب الصراع يعود بالأساس لهيمنة الأحزاب العروبية بعد الثورة التحريرية المتشبعة برواسب القومية العربية، الشيء الذي أدى الى اقصاء الهوية الأمازيغية في الساحة السياسية، وكل نضال هذه الشعوب الأكثرية التي تعامل معاملة الأقلية هو من أجل تحقيق الوجود الهوياتي، لكن هل يصعب تحقيق ذلك؟

من الناحية الاجتماعية وكما أشرنا في السابق، نجد أن كل من المكونين الاجتماعيين والعرقيين يتعايشان بطريقة أفضل مما هو عليه الأن على الصعيد السياسي، وفي الآونة الأخير قطعة القضية الأمازيغية أشواطا جبارة في الساحة السياسية واستطاعوا تحقيق التواجد السياسي وبشكل سلمي تحضري يحسب لهم، لكن ماذا لو تأزمت الأوضاع من جديد؟

إن الأحزاب السياسة المعارضة لقضية تمازغا لتزيد الطين بلة، للمعارضة على التعايش في ضل التعددية العرقية والفكرية، وذلك راجع الى رواسب القومية العربية المتصلبة والتي ترفض التعدد والتنوع، لكن السؤال المطروح: هل من الممكن أن تتأزم الأوضاع لدرجة نشوب حرب أهلية؟

ان أقوى أسباب نشوب الحروب الطائفية والاهلية، يعود للسياسة الاقصائية الممنهجة ضد أي مكون اجتماعي، اذ أن الصراع لا يولد الى الدمار، و معطيات واقع الحال تشير بشكل صريح لا مكانية نشوب حرب أهلية مالم يستطع كلا الشعبين تحقيق التعايش في ضل الاختلاف، وهو الحد الأدنى من مؤشرات نضج الشعوب ومستوى التحضر لأي بلد كان
والسبب الوحيد الذي يلزم كل من الشعبين التعايش في ضل الاختلاف العرقي والفكري، مع اختلاف واحترام كل المكونات الشعبية سياسيا واجتماعيا هو الهروب من الوقوع في فخ الصراع والحروب الأهلية، والسؤال المطروح: ما الذي تكلفه الحروب الأهلية؟

تعرف جامعة مشغان الحرب الأهلية على أنها: صراع داخلي ينتج عنه سقوط ألف ضحية على الأقل، تمثل فيها نسبة الضحايا لكل فريقي الصراع 5 بالمئة على الأقل من مجموع عدد الضحايا، ويشير بول كوليير الا أن خطر نشوب الحرب الأهلية انما يكون عاليا في الدول ذات الدخل المنخفض، ومثل هذه البلدان قياسيا تواجه نشوب حرب أهلية كل خمس سنوات بنسبة تقارب 14 بالمئة.

كما أن الدراسات الاقتصادية تشير الى أن الدول التي تعتمد على صادرات المواد الخام الطبيعية يزيد فعليا من خطر نشوب حرب أهلية، والمعروف بأن دول شمال افريقيا تعتمد بشكل أساسي على صادرات المواد الخام
ان تداعيات الحروب الأهلية على الوضع الاقتصادي مهيب جدا اذ أن الحرب الأهلية تنزع نحو جعل الاقتصاد ينخفض ب 2.3 بالمئة سنويا، أي أن حربا قياسية تستمر سبع سنوات تخلف البلد بنسبة 15 بالمئة مما كانت عليه تقريبا، كما أن من بين أخطر تداعيات الحرب الأهلية كما يشير بول كوليير هي أن كلفة أي حرب قياسية عموما للبلد الذي تنشأ فيه، وللدول المجاورة لها تقدر بنحو 64 مليار دولار

ان الحروب الأهلية لا تخلف سوى الدمار والتعطل، في حين أن التعايش العرقي لا يكلف سوى محاربة التعصب، وان تداعيات الحروب الأهلية كما سبق قد تودي بانهيار النظام بأسره على رؤوس كل المكونات الاجتماعية في حين أن التعايش يولد الاستقرار والتجانس، وهذا الأخير من بين أهم أسباب النجاح الاجتماعي وكذلك النجاح المؤسساتي للدول، اذن هل التوجه نحو التعايش ضرورة؟

ما من عاقل على وجه الأرض يرفض مسألة التعايش السلمي، لكن ومع النظر ماليا في معاني الفكرة يتراجع الكثيرون عن المسألة، بحث أن التعايش ليس مجر شعارات بل هو منهج اجتماعي يتوجب تحقيقه، ومدى التمكن من تحقيقه يعكس مدى تحضر الدول، فالقاعدة الأساسية لتطبيق التعايش هو:

قيام الدول على أساس المواطنة: يقصد بدول المواطنة، تلك البلدان التي تتعامل مع كافة شرائح المجتمع على أساس أنهم مواطنون مدنيون، دون الانحيازيات العرقية أو الدينية أو الجنسية وغيرها لكل مكونات المجتمع المدني للبلد.

محاربة وتقزيم الأفكار العنصرية العصبية: يقصد من ذلك أن على الحكومات الحرص على انشاء أجيال منقحة من جميع رواسب الأفكار والأيديولوجيات السامية التي تقصي الأيديولوجيات الأخرى من خلال التعليم والتنشئة الاجتماعية .

الخاتمة:

لقد حان الوقت للكف عن جميع الصراعات العرقية، والتوجه نحو التعايش من خلال تحقيق نوع من التوازن بين جميع المكونات العرقية للمجتمعات، والعمل على تحقيق السلام والاستقرار الداخلي، الذي يعكس القدرة على التحكم في متغيرات البيئة الخارجية، بحيث أن استمرار الصراع لا يولد سوى الحروب الأهلية والدمار، في حين أن التعايش دائما ما يخلف الاستقرار والتطور.


الكاتب: بوذراع حمودة

بتاريخ : 2018-01-22 08:31:00

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 8839 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق y2wut0yd هنا :    
 

 

 

 

 

 

   
   

الجزائر

 
   
مصر  
   
المغرب  
   
جزر الكناري  
   
موريطانيا  
   
ليبيا  
   
مالي  
   
تونس  
   
النيجر  
   
عريضة  
 
 

 

 

 

مقالات اخرى










من هو الجزائري؟؟
بتاريخ : 2018-09-24 15:12:00 ---- بقلم : كمال الدين فخار






 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.