Français
English
 

 

 

التضامن الإنساني و التضامن العرقي

أحمد عصيد

 

عندما تأسست المنظمة المغربية لحقوق الإنسان كان الأستاذ محمد شفيق أحد أعضائها المؤسسين، و حدث أنّ النظام البعثي العراقي آنذاك ـ الذي يعتنق القومية العربية كعقيدة سياسية ـ قام بأوامر من الرئيس صدام حسين بإبادة خمسة آلاف كردي بالغازات السامة المحظورة دوليا، و أغلبيتهم من النساء و الأطفال و الشيوخ، كانت العملية غاية في الوحشية و انعدام الحس الإنساني، مما جعل الأستاذ شفيق يقترح على مكتب المنظمة آنذاك إصدار بيان إدانة للنظام العسكري البعثي و تضامن مع الضحايا و دعوة إلى احترام حقوق الإنسان في العراق، غير أنه فوجئ برفض اقتراحه و تحفظ أعضاء المكتب الذين قابلوا اقتراحه ببرود غير متوقع من مناضلين حقوقيين، و طرح الأستاذ شفيق على أولائك الأعضاء آنذاك أسئلة ظلت تطرح مثيلاتها على مدى الثلاثين سنة المنصرمة : هل حقوق الإنسان المقصودة هي كما يفهم من العبارة دوليا أم أنها حقوق الإنسان "العربي" ؟ ماذا لو أن الذين قتلوا خمسة آلاف من العرب ؟ كيف نستنفر العالم عند مقتل طفل عربي واحد و لا تتحرك عواطفنا عندما يسحق خمسة آلاف نسمة يسقطون كالذباب في صبيحة يوم واحد ؟ ما الفرق بين قتل الأطفال في بلد و قتلهم في آخر؟ لم يحصل الأستاذ شفيق على أي جواب لأسئلته القلقة، و قدم استقالته للمنظمة التي شارك في تأسيسها بحماس، و مضى.

 

طبعا حدث هذا قبل ثلاثين سنة، و بين الأمس و اليوم مرت مياه كثيرة تحت الجسر، و أصبح مناضلو حقوق الإنسان في بلادنا أكثر إنسانية و انفتاحا و أكثر احترافية كذلك، خاصة بعد تراجع إيديولوجيات " تنميط التضامن و أدلجته"، لكن مناسبة استحضاري لهذه الواقعة هو متابعتي هذه الأيام لتضامن العرب مع غزة، و سكوتهم المريب منذ شهور طويلة عن مذابح دارفور التي هي إبادة عرقية حقيقية، فقد قتل الرئيس السوداني ثلاثمائة ألف من سكان دارفور حتى الآن، و هي حصيلة لم تصلها قط حروب إسرائيل ضد العرب، و المضحك ـ المبكي في هذا الأمر هو أنّ العرب، عندما قام المنتظم الدولي بمحاكمة الرئيس السوداني و إدانته في المحكمة الجنائية الدولية بصفته مجرم حرب، تسارعوا إلى التضامن معه ـ من باب "أنصر أخاك ظالما أو مظلوما" ـ و كأن سكان دارفور خنافس أو حشرات لا تستحق الصفة الآدمية .

 

لقد قام الرئيس السوداني بعد فشل قواته النظامية في التغلب على تمرد التنظيمات المسلحة في دارفور باعتماد سياسة تغذية النعرات العرقية و الدينية و تأليب قبائل الرحل من العرب البدو الموالين له "الجنجويد" ضد الإثنيات الأخرى، و إمدادهم بالمال و السلاح للقيام بدور قذر و لا إنساني، و هذا ما أدى إلى انحراف الحرب الدائرة من مواجهات عسكرية بين الجيش و مجموعات المتمردين إلى محارق ضدّ المدنيين و مذابح للتطهير العرقي، و ذلك انتقاما لهزائم النظام العسكرية، و هذا ما جعل الرئيس السوداني يستحق لقب "مجرم حرب" من طرف المحكمة الجنائية الدولية، لأنه أثبت قدرته على البقاء في السلطة و لو على جماجم الملايين من القتلى المدنيين.

 

هزت مأساة دارفور ضمير العالم لكنها لم تحرك شيئا من مشاعر العرب التي لا تهتز إلا "للقضايا العربية"، و سجل جميع الملاحظين عند اشتعال المحارق غياب منظمات الإغاثة العربية و الإسلامية، و نشاط المنظمات الدولية التي لا تنتظر المشاعر القومية و الدينية لتتحرك، و ظهر بأن العرب لا يمكن أن يخذلوا نظاما عربيا سفاحا من أجل بعض "الزنوج الأفارقة".

 

إن العالم المتقدم ما فتئ يعطي العرب الدروس تلو الدروس، لكن لا يبدو أن العرب يفهمون إلا بعد فوات الأوان، أي بعد أن يحصدوا الهزائم، و تغصبهم قوة قاهرة على الإستسلام، و قد انتهى الحاكم العسكري الدموي صدام حسين داخل جحر ضيق قبض منه عليه باليد كما تقبض الأنعام، و سوف ينتهي الرئيس العسكري الدموي عمر البشير إلى مصير مشابه لا شك، لأن دماء الدارفوريين الفقراء ليست ماء، و أرواحهم لا يمكن أن تضيع هباء، و لأن سكان دارفور لا يقلون آدمية عن الفلسطينيين أو غيرهم من شعوب الأرض .

 

و ما لفت انتباهي كذلك في التضامن الإيديولوجي لـ "عرب المغرب" مع الفلسطينيين هو انزعاجهم الكبير من أي تضامن مع فلسطين خارج شعاراتهم و اختياراتهم السياسية، فالتضامن مع فلسطين ينبغي أن يكون عربيا و إسلامويا أو لا يكون، أي بوعي الإنتماء إلى "العروبة" و إلى "أمة العرب" و الدم العربي، ألم تصدر إحدى جرائدهم بعد مسيرة نظمت بالعاصمة المغربية و في صدر صفحتها الأولى عنوان عريض يقول :" الدم العربي يغلي في الرباط ؟!!". و لهذا لا نستغرب أن يكون على رأس دعاة التضامن العرقي مع فلسطين رئيس "المؤتمر القومي العربي"، كما نفهم الأسباب التي تجعل الإسلاميين يحشدون أتباعهم أكثر من سواهم إلى تضامن "عرقي في لبوس ديني" مع فلسطين، و هو تضامن يتضاءل في النهاية لينكشف عن مساندة طائفية لمغامرات "حماس" الإنتحارية لا أقل و لا أكثر.

 

و إذا كان التضامن الإيديولوجي و العرقي نهجا لعدد من الأحزاب السياسية المغربية و المنظمات التابعة لعقيدتي القومية العربية و الإسلام السياسي ، فإنّ السلطة بدورها لا تترك الفرصة تضيع دون أن تثبت "عروبتها و إسلامها" باحتفالية ظاهرة ، لا تقل حرارة عن احتفالية القوميين و الإسلاميين، بل يبدو أن الأمر مزايدة واضحة عليهما معا. و الغريب في هذا الأمر أن السلطة تعكس تضامنها في وسائل إعلامها الرسمية في شكل دعاية فجة لنفسها، في روبورتاجات إخبارية غير مهنية و مصحوبة بسيولة بلاغية يبدو أن هاجسها هو البحث عن شرعية ما لدى طرف ما، و هي شرعية لا معنى لها أمام مشهد نساء مغربيات نزحن من الجبال للإعتصام بأبواب السلطة بعد أن كاد يقضي عليهن البرد و الجوع و المرض، دون أن تجدن من " يتضامن" معهن أو من يوفر "المساعدات الإنسانية".

 

و إذا كان هدف القوميين و الإسلاميين تسويق بضاعتهم الإيديولوجية باسم فلسطين و الإقتيات سياسيا من دماء سكان غزة المظلومين ظلما مزدوجا ( ظلم الإحتلال و ظلم ذوي القربى) ، فإن هدف السلطة من حملتها الدعائية لا يبدو أنه التضامن مع الفلسطينيين ضحايا الهجوم الإسرائيلي، بل هو عمل دعاية لتضامن المخزن المغربي مع الفلسطينيين و قيامه بأعمال خير، و معلوم أن من مبادئ الأخلاق أن من يقوم بعمل خير ثم يذكره بنفسه و يبالغ في ذلك يصبح لا فضل له البتة، بل على عكس ذلك تماما ينقلب الأمر إلى ضدّه، خاصة إذا كانت المساعدات هزيلة لا ترقى إلى مستوى ما تقدمه بعض الدول الأوروبية لفلسطين خارج وازعي "العروبة و الإسلام" معا و بدونهما.

 

لم يصل العرب المسلمون بعد إلى مستوى فهم معنى التضامن الإنساني ، الذي يجعلهم يشعرون بآلام الإنسان المقهور حيثما كان و وجد، و كيفما كان أصله أو فصله أو لونه أو عقيدته الدينية، فهذا النوع من التضامن هو من نتائج حداثة الفكر و السلوك، و ثمرة تضحيات و ثورات و مخاض دام قرونا و أسفر عن قيم جديدة عنوانها "الكرامة الإنسانية" التي تجعل الإنسان غاية في ذاته، و هو درس ما زال العرب المسلمون بحاجة إلى بعض الوقت لتعلمه، لأنهم لم يدخلوا بعد عالم الحداثة، و لم يغادروا بعد وعيهم القومي ـ الديني العشائري، و تراثهم الميت في معظمه، في الوقت الذي بدأ فيه العالم المتقدم في التخطيط لـ " ما بعد الحداثة".

 


الكاتب: Ahmed Aassid

بتاريخ : 2009-03-28 22:15:00

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 5011 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 

1 التعليق رقم :
مسعودة بقلم :
تحت عنوان :
Unkwown البلد :
 
روحوا تعطيو  
 

 

2 التعليق رقم :
ANAROUZ بقلم :
bRAvo Mr Assid تحت عنوان :
Unkwown البلد :
 
comme d'habitude l'analyse de Mr Assid est l? pour nous ?clairer le chemin.

pour MASS3OUDA qui a dit "rouho te3thoui", je lui dis que toi ya lala Mass3ouda , il apparait que t'as l'habitude de TE3THIHA"
 
 

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق 2cbnv227 هنا :    
 

 

 

 

 

 

 

افتتاحية

قرئنا لكم
وجهة نظر
مختصرات
مواعيد
استجوابات
لقطات
رسائل القراء
استطلآع للرئ

مقالات اخرى

















 

Headquarters : Amazigh World  (Amadal Amazigh), North America, North Africa

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2014  Amazigh World. All rights reserved.