Français
English
 

 

 

إلى أحمد الريسوني: من أوصل الجامعة المغربية إلى حافة الإفلاس ؟


صرح الدكتور أحمد الريسوني، الرئيس السابق لـ"حركة التوحيد والإصلاح" التابعة للتيار الإخواني في افتتاح المؤتمر الوطني لـ"التجديد الطلابي"، المنظمة الطلابية للحركة المذكورة، صرّح قائلا:"حينما التحقت بالجامعة في السبعينيات كان الدين الرسمي والوحيد فيها هو الماركسية والإلحاد والعبثية، ولا شيء يسمح به سوى ذلك”، مؤكدا أنه كانت تجرى “محاكمات” طلابية لمن اكتشف أنه يصلي، أو بدأ كلامه بالبسملة، وكذا الشأن بالنسبة إلى الطالبات "المحجبات".

الملاحظة الأولى هي أن المتكلم يتحدث بصيغة سلبية عن ماضي الجامعة، وهو ما قد يوهم من لم يطلع على أوضاع الجامعة اليوم بأن الحالة أصبحت محل فخر واعتزاز، فالطلبة اليوم يصلون ويبدأون كلامهم بـ"البسملة"، كما تضع الطالبات أنواع "الحجاب" وقطع الثوب فوق رؤوسهن، وهذه غاية الرقي الحضاري والتقدم العلمي التي جعلت جامعاتنا تحتل الصفوف الأمامية بين جامعات العالم والحمد لله.

الملاحظة الثانية أن المتكلم اختزل الجامعة في السبعينيات في "الماركسية" و"الإلحاد" و"العبث"، والشهادة التي أقدمها بهذا الصدد، والتي سيؤكد عليها جميع من عاش في الجامعة في تلك الفترة التي يتحدث عنها الفقيه الإخواني، هي أن الطلبة كانوا أكثر اطلاعا وإقبالا على الدروس والتحصيل من اليوم، وأن مستوى حلقات النقاش كان أرقى بكثير مما هو عليه اليوم، وأن مستوى الأطروحات الجامعية التي كانت تقدم للمناقشة كانت أعلى درجة بكثير مما هي عليه في السياق الراهن الذي يعرف التردي التام والانحطاط بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث لم يعد الطلبة قادرين على كتابة فقرة سليمة من الناحية اللغوية، بل إن كثيرين منهم لا يستطيعون الإجابة على أسئلة الامتحان الشفوي بعربية سليمة فيطالبون بالسماح لهم بالحديث بالدارجة.

في المرحلة التي يتحدث عنها السيد الريسوني كان الأدب أدبا وكان التاريخ تاريخا والفلسفة فلسفة والعلوم علوما والفنون فنونا، أما اليوم فقد اصطبغ كل شيء بلون الجهل المقدس، فكان طبيعيا أن تنزل جودة التعليم إلى الحضيض.

كنا نقرأ أربعة كتب في الشهر الواحد، ونقوم بتحويلها إلى بطائق معرفية دقيقة تنم عن فهم عميق لما نقرأ، وكانت لنا انشغالات فكرية وعلمية نعكسها ليس فقط في النقاش داخل مدرج الدرس بل وفي الصحف والمجلات التي شرع بعضنا في الكتابة فيها في وقت مبكر. لم يكن أغلبية الطلبة ماركسيين، لكنهم كانوا يفهمون قيمة الماركسية بوصفها فلسفة طبعت مرحلة بكاملها من تاريخ البشرية، في الوقت الذي لم يكن "الإخوان" يعرفون منها إلا عبارة يسمعونها بالتداول الشفاهي: "الدين أفيون الشعوب" دون أن ينتبهوا إلى أنهم كانوا يجسدون في سلوكهم اليومي تلك العبارة ويؤكدون على صحتها بما لا يدع مجالا للشك.

لم نكن ماركسيين في معظمنا لكننا كنا نشعر بقدر من الامتنان لماركس وإنكلز اللذين لفتا انتباه العالم إلى أن العمال الذين يعملون 16 ساعة في اليوم بدون عطلة أسبوعية وبدون أداء على الأطفال وبدون نفقات التمريض يعيشون في أوضاع لا تختلف في شيء عن أوضاع العبيد، ورغم أننا لم نكن ماركسيين كنا ندرك بأن أوضاع العمال والمأجورين إن تحسنت في العالم كله بما فيه العالم الرأسمالي، فبفضل النضال الماركسي والاشتراكي الذي دفع جميع بلدان العالم إلى تخفيض ساعات العمل إلى ثمانية وتخصيص عطلة أسبوعية وأجر أفضل وأداء على الأطفال وكل المكتسبات التي نعيشها اليوم ونتمتع بها.

لست أدري إن كان الفقيه الإخواني يدرك معنى كلمة "العبث" أم لا، لكنني أعتقد بأن ما آلت إليه الأوضاع بعد عقود من فتح "شعبة الدراسات الإسلامية" بالجامعة المغربية، لا يمكن أن يعبر عنه إلا بهذه الكلمة، فالذين كانوا يهدفون إلى قتل الجامعة واغتيال إشعاعها الفكري والعلمي بهذه الخطة التي اتخذوها سنة 1980، قد وصلوا إلى أهدافهم على أحسن وجه، فقد أصبحت الجامعة المغربية غارقة في مظاهر التدين الفلكلوري القندهاري، وصار بعض الأساتذة "الجامعيين" يبهروننا بمواهبهم في الوعظ الديني و"الرقية الشرعية"، كما أصبح العلم في الجامعة هو الفقه القديم، الذي تناقش فيه أطروحات أقل ما يقال عنها إنها مهازل تشعرنا بالألم والأسى، بل إن العلوم الدقيقة نفسها أصبحت تعوض بخرافة "الإعجاز العلمي للقرآن"، الذي تخصص له الميزانيات الضخمة لإشاعة مزيد من الجهل والتجهيل.

الملاحظة الثالثة أن الفقيه الإخواني لم ينتبه إلى أنه يتحدث عن الجامعة بمفهوم قديم لا يتطابق مع هويتها، فالأمر لا يتعلق بجامعة "القرويين" أو "الأزهر" بل بالجامعة العصرية كما ظهرت في السياق الغربي قبل قرون طويلة، والتي ظهرت أساسا في مواجهة سلطة الكهنوت على عقول الناس، وضدّ احتكار المعارف من طرف الكنيسة وتكييفها مع الفهم الديني العتيق، الذي أصبح منذ عصر النهضة يتعارض كليا مع المعارف العلمية الحقيقية، ولهذا كان من مهام الجامعة تحرير عقول الناس من وصاية رجال الدين وأسلوبهم السلطوي المنافي للعلم بمعناه الحديث، وتحفيزهم على مغامرة البحث والتساؤل بدون حدود، ما يفسر ارتباط ظهور الجامعة بمسلسل العلمنة وبانتشار النزعة الإلحادية التي لم يفهمها الريسوني، مما يستوجب أن نشرح له مع التبسيط والتشخيص:

سيلاحظ السيد الريسوني إذا هو استراح لبعض الوقت من الكتب الصفراء، وخصّص هنيهات من وقته لقراءة تاريخ البلدان الراقية والناجحة، التي تنعم اليوم بالتطور العلمي والتقني والحقوقي، سيلاحظ بأن تاريخ الجامعة ارتبط بتاريخ الإلحاد والتحرر الفكري بشكل كبير، وذلك لسببين : الأول حاجة من يخوض في البحث العلمي التجريبي إلى مزيد من الموضوعية التي يفرضها ترك المشاعر الذاتية والأهواء الشخصية جانبا، والتحلي بقدر من الصرامة العقلية التي بدونها لا يستقيم البحث العلمي في الظواهر الطبيعية والاجتماعية والكونية، والثاني أن التسلط الديني الذي وصل حدّ إحراق العلماء والشعراء والمفكرين وملاحقة من عاش منهم بالتهديد اليومي والاتهامات وأنواع التحريض، قد ولد نقيضه الذي هو الإلحاد التحرري القائم على نزعة إنسية عميقة، هذه النزعة التي قادت إلى ما نسميه اليوم قيم المواطنة التي تساوي بين جميع أعضاء المجتمع بغض النظر عن دينهم أو لونهم أو لغتهم أو نسبهم العائلي. إن فاتحة الأزمنة الحديثة كانت مع فك الارتباط بين المعرفة العلمية والشعور الديني الذي صار بدوره اختيارا شخصيا حرا، وهو ما يفسر أن البشرية حققت من الفتوحات العلمية خلال القرنين الأخيرين ما لم تحققه في عشرات آلاف السنين الماضية.

إن الإلحاد ليس نتاج الماركسية، لأنه ظاهرة كونية وجدت وازدهرت قبل وجود ماركس بكثير، وهو اليوم منتشر بشكل واسع في السعودية وإيران والسودان بدون ماركسية، لأنه رد فعل طبيعي ضد الكهنوت والتسلط الديني وفقه القسوة والزجر والاستعباد، واستغلال ثروات الشعوب وتخديرها بالخطاب الديني والوعيد الأخروي. وهل نحن بحاجة إلى تذكير السيد الريسوني ومن على دربه بأنّ الإيمان والإلحاد معا في النهاية، موقفان شخصيان لا ينبغي أن يكونا تحت الإكراه، لأنهما بدون حرية فاقدان لكلّ معنى ؟

خلاصة القول:

ليست الجامعة المغربية اليوم على ما يرام، بل هي في أسوأ لحظات تاريخها في بلادنا، ويمكن نعت وضعيتها بالإفلاس التام، الذي قادتنا إليه السياسات الخرقاء للحكام، وقد استعملت في صنع هذه الوضعية المزرية إيديولوجيات دينية مستوردة من الشرق ومنها الإخوانية والسلفية، لهدم ما تبقى من أثر الجامعة وتأثيرها.

من جهة أخرى فمعايير قياس كفاءة وتقدم الجامعات أو تأخرها اليوم هي معايير دولية متعارف عليها، ولا أذكر أن من هذه المعايير الشعور الديني للأفراد ومدى أدائهم لشعائر معينة أو مدى نطقهم بـ"البسملة" أو مدى ارتدائهم لباسا معينا أو وضعهم لغطاء الرأس، كما ليس من معايير الجودة والتفوق استدعاء دعاة التطرف وخطباء المساجد الذين ليست لهم أية شواهد عليا لـ"الخطبة" داخل الجامعة، إن معايير ازدهار وكفاءة الجامعات المتفوقة إنما تتمثل في جودة التعليم وقدرته على تخريج المواهب اللامعة والشخصيات الأكاديمية المؤثرة، وكذا جودة هيئة التدريس التي تظهر من خلال العطاء العلمي للأساتذة والمنشورات العلمية التي أصدروها أو أشرفوا عليها، والتي يشترط فيها الإبداع واكتشاف الجديد، والتي تجعل منهم إطارا مرجعيا تتم العودة إليه في البحوث المتخصصة، دون أن ننسى إمكانيات البحث والتجهيزات والمعدات والفضاءات وفرص الولوج إلى المعارف والصرامة العلمية في التدريس والتقويم، وهي أمور غائبة بنسبة كبيرة في بلادنا.

إن ما نعيشه هو نكوص خطير نحو عصور الظلام والانحطاط، وهو ما يزيد الشرخ بيننا وبين العالم المعاصر اتساعا، ويجعلنا عوض تغيير ما بأنفسنا ننكفئ فنأكل بعضنا بعضا، ونعيش العنف اليومي الذي هو أشبه بانتحار جماعي يقتات عليه فقهاء التراث الذين لا يجدون صعوبة في اصطياد النفوس الضعيفة.


الكاتب: أحمد عصيد

بتاريخ : 2018-02-02 09:16:00

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 8688 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق 78qwfme5 هنا :    
 

 

 

 

 

 

 

افتتاحية

قرئنا لكم
وجهة نظر
مختصرات
مواعيد
استجوابات
لقطات
رسائل القراء
استطلآع للرئ

مقالات اخرى

 
توضيحات بشأن ما جاء به مولي الحسن أوريد أن المغرب مستهدف ولا يجب الاستهانة بكلام أحمد ويحمان
توضيحات بشأن ما جاء في محاضرة "حسن أوريد" عقب توقيع أحد كتبه ضمن نشاط نظمه "جواد العراقي" الاسلامي ورئيس الجمعية التي نظمت مؤخرا لقاء تضامنيا مع المتهم بالاغتصاب في فرنسا "طارق رمضان"،(اللقاء الذي كان أوريد سيحاضر فيه ثم اعتذر بعد الضجة الاعلامية في مواقع التواصل الاجتماعي) بحضور المقرئ الادريسي ابوزيد المعروف بحقده للامازيغ.... بقلم : منير كجي بتاريخ : 2018-02-22 12:47:00

 

 
هدا هو سر تقدم دولة ألمانيا وتخلف المغرب
سأخون المانيا اليوم و أخبركم عن سبب تقدمها. سبب تقدم ألمانيا ليس الفوسفاط او الثروات السمكية او البترول او المعادن او المقالع....... بقلم : منقول بتاريخ : 2018-02-21 07:59:00

 

 
أسئلة وتدقيقات إلى السيد المقرئ أبو زيد[1] ؟
يتحمل البرلمانيون مسؤولية العمل التشريعي وإصدار القوانين الكفيلة بدفع مسلسل الدمقرطة والتحديث في الاتجاه الصحيح، وهم بذلك ملزمون باحترام الدستور، واستيعاب الواقع المغربي ومعرفة الرهانات والتحديات التي يطرحها.... بقلم : أحمد عصيد بتاريخ : 2018-01-22 09:08:00

 

 
مشعل الامازيغية في الجزائر ومشعل فلسطين في المغرب
حين جلس عبدالعزيز بوتفليقة على كرسي رئاسة جمهورية الجزائر سنة 1999 صرح بلسانه وبكامل قواه العقلية، أنه لن يسمح بأن تكون اللغة الامازيغة لغة وطنية في الدستور مادام على قيد الحياة. قال وطنية ولم يقل رسمية لانها اصلا في نظره يعتبر ذلك من المستحيل واللامفكر فيه قطعا، وبالأحرى ذكره.... بقلم : عبد الله بوشطارت بتاريخ : 2018-01-02 14:57:00

 

 
الأمازيغ، القدس وفلسطين
اتصل بي بعض المواطنين يسألون عن موقف الحركة الأمازيغية من موضوع القدس وعن موقفها من خطاب التظاهر لصالح القضية الفلسطينية عموما، بعد مسيرة الرباط التي لوحظ فيها غياب الأعلام واللافتات الأمازيغية، وفيما يلي رأيي الذي أعتقد أنه ينسجم مع توجهات الحركة الأمازيغية الديمقراطية بمختلف مكوناتها:... بقلم : عادل أداسكو بتاريخ : 2017-12-29 12:15:00

 

 
جمعيات مساندة فلسطين بالمغرب تدعو التحالف العربي لنقل جيوشه فورا من اليمن الى القدس
مباشرة بعد اعلان ترامب اورشليم عاصمة إسرائيل نقلت بعض المواقع الاجتماعية المغربية خبرا مرفوق بصورة اجتماع "مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين" و"الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني" قررت فيه ما يلي: ... بقلم : موحى بواوال بتاريخ : 2017-12-07 15:01:00

 

 
من المسؤول؟...
لاشك أن فاجعة الصويرة خلفت إستياء وتدمر في نفسية العديد من المواطنين الغيورين على هذا الوطن، فاجعة الصويرة جعلت السؤال من المسؤوا؟ يطفو على السطح ، قبل أن أدلي بدلوي لابد اولا ان اترحم على جميع النساء اللواتي ذهبنا ضحية "لقمة العيش".... بقلم : أحمد حمو بتاريخ : 2017-11-22 16:30:00

 

 
حزب الإستقلال في مؤتمر عيد عاشورا
صادف عقد المؤتمر السابع عشر لحزب الاستقلال بالمغرب سنة2017 يوم عيد عاشوراء، وأصبح موضوع هذا المؤتمر التاريخي مرتبطا منهجيا وتاريخيا بهذا العيد الذي يخلده الشعب بطقوس تشابهت واقعيا مع ما حدث في مؤتمر حزب الاستقلال،ولذلك يمكن من الأن أن نسمي هذا المؤتمر في دراسة تاريخ الأحزاب المغربية بمؤتمرعيد عاشوراء. ... بقلم : احمد الدغرني بتاريخ : 2017-10-08 21:40:00

 

 
إلى ألأستاذ موحا بودهان: من الهُمو- ساكر إلى الهُمو-زفزاف ولا شيئ سيتغير مع الطغاة المستبدّين
لإجراء تقابل أو مقارنة بين " الهومو- ساكر" ( الإنسان "المستباح " في القانون الروماني القديم ) وبين ما أستطلحته ب" الهومو- زفزاف " او " المسلم -الأمازيغي - "المستباح " ( إحالة الى زعيم الحراك الإجتماعي بالريف ، ناصر الزفزافي ) ، سننطلق من تعريف أگامبين لنظريته " الهمو- ساكر" - "الإنسان المُقدَّس " - ،... بقلم : براهيم عيناني بتاريخ : 2017-10-01 23:33:00

 

 
جمعيات "الطابور الخامس"
يتمثل دور المجتمع المدني أساسا في إعادة الاعتبار للقضايا العادلة التي أغفلتها السياسات العمومية وهمشتها الطبقة الحاكمة، إما لعدم ملاءمتها لتوجهاتها، أو لتعارضها مع مصالحها، وإما لوجود توازنات داخلية أو خارجية تمنعها من أخذ تلك القضايا بعين الاعتبار وإنصاف أهلها.... بقلم : أحمد عصيد بتاريخ : 2017-07-27 00:04:00

 

 

Headquarters : Amazigh World  (Amadal Amazigh), North America, North Africa

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2014  Amazigh World. All rights reserved.