Français
English
 

 

لِينَا : أو حين تعود الروح إلى "رَلاَّ بويا"


مقال قرأ 7827 مرات


بقلم شرف: ميمون أَمسبريذ

عندما سمعتُه أوَّلَ مرة مادَتْ بي الأرض (ثُويورَدْ غاري ثمورث). إنتشيتُ وغمرني شعور خارق بالإمتلاء. لم أحاول أن أَفهم، أن أعلِّل أو أُحلٍّل؛ استسلمتُ في ذهول لموجه العارم يتقاذفني في كل اتجاه؛ يحيط بي من كل جانب؛ يُطوِّحُ بي في مَهاوي ذاكرة عريقة ما لها من قرار : ذاكرة لا شخصية عابرة للذاكرات.

ثم انتبهتُ من ذهولي وجعلتُ ألَمْلِمُ شَوارد ذهني : أفي حلم أنا أم علم؟ وهل حقا سمعتُ ما سمعتُ أم أوحِيَ الي (يِوي يْد أرْبِّي). أعدتُ تشغيل الشريط : بلى، انه هوǃ : صوتٌ غائرٌ، عريق، عتيق، ممتلئ، شجِيٌّ، جريح، عزيز. صوتٌ جامعٌ، شامل، يأتيك من كل صوب، كأنْ لا مَصْدرَ له ولا باعث: صوتٌ كونيٌّ، سَماوِيٌّ، عابرٌ لِلأزمنة والأجساد، قائِمٌ بذاته: صرخة في وجه الزوال.

لكن كيف صَدَحَ الصوت الكُلِّيُّ - وقد أتى عليه حين من الدهر خَلَدَ الى الصمت - وتَنَزَّلَ في جسد ضئيل: جسد "لينا" – الفتاة المقيمة في العصر شكلا ووجدانا؟ْǃ كيف استطاعت أن تَسْتَدْرِجَه إليها؟ أن تلتقط ذبذباته المتناثرة في النسيان وتُعيرَه جسدَها الغَضَّ سَكَناً وأداةً؟ǃ

لِيَبْقَ السؤالُ عالقا ولا بأس... المهم أن "لينا" فعلتْ: أنجزتْ ما كنتُ أحسِبه مستحيلا: عودة الصوت التي هي بمثابة عودة الروح : أليس النَّفَسُ (بفتح الفاء) حاملُ الصوت مرادفا عندنا للنَّفْس (بجزم الفاء)، أي للروح، أي للحياة؟

كتبتُ قبل ما يربو عن العقد من الزمن أَنْعي الصَّوتَ و"أبشر" بالحرف... والحقُّ أني – وأنا أَفعلُ – كنتُ ولا أزالُ منقسما على نفسي : أَتَأَرْجَحُ بين الوفاء للصوت والولاء للصمت (الكتابة). وانما كان ذلك مني يأسا من الصوت في زمن "الحداثة"؛ فالكتابة (الحرف) بهذا المعنى حِدادٌ على الصوت. والحِدادُ اسْتِحْضارٌ للغائب وَتَنَاسٍ لَهُ في آنٍ. إِقْرارٌ بالغياب وتجاوزٌ له بالاستحضار.

أما وقد عاد الصوت الأبدي صادحا يحمل ذاكرةً تَنْدَغِمُ فيها جِراحُ الذات والتاريخ في لازمة مُبْهَمَةٍ (رَلاَّ بُويَا) لا تُفْصِحُ عن معنى ولكنها هي المعنى وقد تَبَلْوَرَ شكلا يقول: ها أنا ذاǃ ليس المعنى هنا دلالةً لغويةً، بل إِعْلان حضور وتوكيد وجود. – قلت : أمَّا والأمر كذلك، فَلْيَصْدَحِ الصوتُ، ولْيَنْتصِرِ الحضورُ على الغياب، والوجودُ على العدم.
ثم ان "لينا" سعيدة: سعيدة وهي تَشْدُو بِ "رَلاَّ بُويَا" – سعادةً تَنِمُّ عنها ضحكتُها الملازمة لها؛ كأنما يفاجئها هذا الصوتُ الذي هو مِنْها وليس منها؛ هذا الصوت الذي هوصوتُها وليس صوتَها في آن؛ كَمَنْ يقول : هل هذه أنا؟ǃ


وصية الى لِينَا


هِيَ وَصيَّةٌ ما هي بالنصيحة : لقد حُزْتِ سِرَّ الصوتِ العتيق وأَحْكَمْتِ إِسارَه؛ فلا تذريه يغادرك الْبَتَّة؛ وَوَطِّنِيهِ في العصر بِأَنْ تُوَسِّعي أُفُقَكِ بِالدَّرْس والإِطِّلاعِ وَالتَّمَثُّلِ؛ فَإِنَّ الأَنهارَ تَشِحُّ إِذا لَمْ تُرْفَدْ؛ وَإِنَّ السُّقْمَ والسَّقَمَ يُصيبان الشجرةَ اليانعةَ اذا لَمْ تُرْوَ وَتُشَذَّبْ. ثم إِنَّ الزمانَ ليس الزمان... فبذلك سَتَتَسامَيْنَ بالصَّوت "القَبَلِيِّ" إِلى أُفُقِ الصوتِ الإِنساني الْبَهِيِّ، وَسَتُسَطِّرِينَهُ في الضمير الْكَوْنِيِّ عُنْواناً على إِنْسِيَّةٍ تَخَلَّقَتْ مِنْ زواج الجغرافيا والتاريخ في مكان سِوَى، وتَحقَّقَتْ صَوْتاً مُتَفَرِّداً ضِمْنَ سمفونية الأصوات الحاملة لنبضات الروح الانسانية الواحدة – المتعددة.
أَلاَ هلْ بَلّغْت؟


• تذييل


عرضت تأملاتي حول الصوت (الجسد) والحرف (الكتابة) في الثقافة الأمازيغية في مقالين بالفرنسية ، هما على التوالي :

« En tamazight dans le texte: de l'"oraliture" à la littérature. Etat des lieux » in Tawiza, n° 76, août 2003.

« Propositions pour une littérature amazighe de transition » in Tawiza, n° 77, septembre 2003.



وذلك في جريدة "ثويزا" لصاحبها الأستاذ محمد بودهان الذي حملها "وَهْناً على وَهْن" على مدى خمسة عشر عاما، مُجرِّداً من نفسه فريقَ عملٍ كاملا... فأتاح للأمازيغية مجالا للتحقق أدبيا ما كان أحوجها اليه. فعلى صفحات هذه الجريدة العصامية المناضلة ظهرت المحاولات الأولى لمعظم الأدباء وكتاب المقالات بالأمازيغية وعن الأمازيغية، الذين نعرفهم الآن... ألآ فلنعط لقيصر ما لقيصر...

رجوعا الى ما ذكرته عن التأرجح بين "الوفاء للصوت والولاء للحرف" : يتجلى عندي هذا – عمليا – في مُراوَحَتي بين جنسي القصة والشعر، باعتبار الأول مكانا ل"الكتابة" (للصمت) والثاني مجالا ل"القول" (الصوت)؛ وفيهما وبينهما درجات... وتلك حكاية أخرى...

Auteur : ميمون أَمسبريذ

 

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 7827 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 

1 التعليق رقم :
khalafi بقلم :
amnni tugha tacigh, maca ckk tnni t, tssufghd t id. تحت عنوان :
Unkwown البلد :
 
min tnnid d wnni tugha zi tacigh! tahnjirt nni, tjja ayi ad ddregh g tcurit n tmagit (identité). amxmi d tt isskk SIDI arbbi ad angh tarr ghar wawr n tmagit, n buhber n imgharn izdghn g wawar n ralla buya, g tmijja n "LINA".  
 

 

2 التعليق رقم :
Tazrawect بقلم :
تحت عنوان :
Unkwown البلد :
 
Tecna tmijja n Lina. amec cnan izran n tmazight x yires nnes... maca Amsbrid issides anegh attas ghar s....  
 

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق ure4gmjp هنا :    
 

 

 

 

 

 
 

شعر

عادات

لغة

بيئة

ديانات

حكايات

أنشطة تقافية

اسماء أمازيغية

ضحك

 

مقالات اخرى











في العيد الأممي للمرأة...
بتاريخ : 2014-03-07 21:48:00 ---- بقلم : لحسن أمقران




 

 

 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.