Français
English
 

 

الاقتتال بسبب الدين من مظاهر غباء البشر وانحطاطهم


مقال قرأ 62639 مرات


يرى المسلمون أن غيرهم من أهل الديانات الأخرى "كفار"، كما يرون الذي لا يؤمن بأي دين "كافرا" أيضا، وهو نفس ما يعتقده المسيحيون عن المسلمين، ويعتقده اليهود عن المسيحيين والمسلمين، وهو نفس ما يراه أصحاب الديانات الأخرى أيضا الذين يرون في الديانات الثلاث الأكثر شهرة انحرافا عن الحق وتمييعا لفكرة الربوبية ذاتها.

وفي الوقت الذي يعتبر فيه كل واحد من هؤلاء نفسه سعيدا في عقيدته، يعتبر الآخر شقيا وغير مرغوب فيه، مما يجعله في النهاية أميل إلى التدخل في اختيارات الغير والسعي إلى دفع الآخرين إلى تغيير دينهم بكل الطرق. من جانب آخر فمن الناحية السيكولوجية، لا يستطيع المؤمن أن يقاوم فكرة أن الآخرين الذين لا يعتنقون دينه يمثلون إهانة لهذا الدين بسبب عدم اقتناعهم به، فكأنه يقول "كيف لا يرى هؤلاء الحق الذي أنا عليه ؟".
النتيجة أن الديانات صبغت تاريخ الإنسانية بلون الدم، وأصبحت من أكبر عوامل شقاء البشر عوض أن تكون مبعث طمأنينة روحية وصفاء نفسي.

صار الاعتقاد منبعا للكثير من المشاعر السلبية مما شوّش على مبدأ الإيمان ذاته، وجعل الناس يعيشون في غمة دائمة، لأنهم بحكم اعتقادهم أن دينهم هو الأفضل لم يستطيعوا أن يتخلصوا من فكرة انحراف غيرهم وضلاله، وبما أنّ كل إيمان ديني يدفع بصاحبه إلى السعي إلى هداية الآخرين وإرجاعهم إلى "الصواب"، أي إلى "طريق الحق" الذي ليس إلا الدين الذي يعتنقه هو نفسه، فإن علاقته بغيره لا بدّ أن تكتسي طابعا مأساويا بل قد تصير جحيما حقيقيا عوض أن يطبعها التعايش السلمي القائم على المحبة والإخاء الإنساني والتضامن.

ورغم محاولة جميع هؤلاء الظهور بمظهر المتسامح والإنساني النزعة، إلا أنهم بسبب عدم حسمهم في بعض الأمور المتعلقة بتعاليم الديانات التي يعتنقونها، سرعان ما تظهر حقيقتهم عندما ينحازون تلقائيا ودون تفكير إلى تمييز غيرهم بسبب الدين والعقيدة، والنظر إليه نظرة تنقيص تجعل علاقتهم به علاقة مضطربة.

وترتبك المواقف بين الرغبة في الظهور بمظهر التسامح وبين التعبير العلني عن النقمة والكراهية، فترى المسلمين مثلا يتسابقون من أجل إعلان احترامهم لـ"أهل الكتاب"، فيأتونك بالكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ضرورة التسامح معهم، ولكن بمجرد أن يشعروا ببعض القوة، وبكونهم أغلبية متحكمة في مراكز النفوذ والثروة، حتى تراهم يتسابقون على الإتيان بآيات وأحاديث أخرى تدعو إلى كراهية اليهود والنصارى وتعتبر السلام عليهم أمرا منهيا عنه، وتعتبرهم "أبناء قردة وخنازير" وترى فيهم أكبر عائق للإسلام وأكبر عدو للمسلمين.يعني هذا في النهاية أن الدين ليس سوى ما يفهمه منه الناس حسب سياقهم وشروط عيشهم والتحديات التي تواجههم.

كانت هذه المعضلة المزمنة نصب أعين محرّري الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في منتصف القرن الماضي، ولذلك ركزوا على الرابطة الإنسانية الكونية عوض الرابطة الدينية التي عمقت الشرخ بين بني البشر، وأدّت بهم إلى ارتكاب جرائم كثيرة باسم السماء.

هكذا جُعلت فكرة المواطنة بديلا للطائفية والرابطة الدينية والعرقية والقبلية الضيقة، وهي فكرة بنيت أساسا على مبدأ المساواة بين البشر بغضّ النظر عن كل التمايزات التي تبعدهم عن بعضهم البعض، ولعلها اليوم المخرج الوحيد الذي يبدو ضروريا لإيقاف التناحر الطائفي في بؤر التوتر الملتهبة.

Auteur : أحمد عصيد

 

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 62639 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 

1 التعليق رقم :
امور بقلم :
اختلاف المسيحية تحت عنوان :
Morocco البلد :
 
جاء في الإنجيل "أحبوا اعداءك وبارك مراسيم وصلوا من أجل اللذين يسيؤون الكيمياء فيه ايظا" ما الفائدة في أن تحبوا أو تحسنوا إلى أقرباءكم" من هنا يتبين أن المسيحية دين محبة وسلام ولا ينطبق عليها ما جاء به سيدي أحمد في المقال كما أن المسيحية اساسها الله محبة عكس الإسلام تماما وشكراً سيدي احماد  
 

 

2 التعليق رقم :
حسام الدين بقلم :
تخلف ديني بسبب الاستعمار تحت عنوان :
Yemen البلد :
 
لم أكن اعلم ان هناك انحطاط ديني لفئة من الأمازيغ  
 

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق nfa93jak هنا :    
 

 

 

 

 

 
 

شعر

عادات

لغة

بيئة

ديانات

حكايات

أنشطة تقافية

اسماء أمازيغية

ضحك

مقالات اخرى

 
الحوار بين الثقافات : مداخلة المحفوظ أمناي حول :
في الندوة التي نظمها مركز الذاكرة المشتركة للحوار بين الثقافات بمكناس يوم أمس 26 يناير 2018، تدخل السيد المحفوظ أمناي ليتساءل عن المقصود بالحوار بين الثقافات، الذي ناقشه مقدمو العروض المبرمجين في الندوة، ....
suite  [المحفوظ أمناي] Date : 2018-01-29 20:50:00

 

 
ماذا عن التعايش؟ :
تقول الأسطورة أنه وفي قديم زمان، شاءت الظروف أن عاش في أرض الشمال عملاقان قويان بالقرب من بعضهما، ولخلافات بسيطة نشبت بينهم اختلافات أودت بكليهما الى الصراع والتقاتل، كان الأول يدعى مازيغ والأخر عربي، ....
suite  [بوذراع حمودة] Date : 2018-01-22 08:31:00

 

 
الخرافة بالأرقام :
ان الغلو في كتاب صحيح البخاري، وجعله مع كامل الأسف فوق كتاب الله تعالى الموحى الى نبيه، رغم كم الاباطيل والخرافات والاساطير التي يزخر بها هذا الكتاب ، حيث أصبحت صحته من الأمور المسلمة لدى الشيوخ ، غير ان من يتصفح هذا الكتاب سيقف على اساءات كبيرة في حق الله ، وفي حق نبيه ، وفي حق كتاب الله ، ....
suite  [رشيد أيلال] Date : 2018-01-04 08:34:00

 

 
أسطورة صحيح البخاري :
بعد جولتنا في الأساطير المؤسسة لشخصية البخاري ، وما رافقها من غلو ، جعلها في النهاية تتفوق على كل الشخصيات التاريخية ، بل وحتى الدينية، بما فيها رسولنا الكريم ، واني أكاد أجزم أن شخصية البخاري ، لدينا نحن معظم المسلمين ، توازي شخصية بولس الرسول لدى المسيحيين ، حيث ....
suite  [رشيد أيلال] Date : 2018-01-02 08:03:00

 

 
لماذا لا يحسن المسلمون الدعاية لرأس السنة الهجرية ؟ :
يضجّ دعاة التطرف الديني ويقوى شغبهم على المجتمع وتعلو صيحاتهم مع كل رأس سنة ميلادية، وكلما ازداد صراخهم تزايد إقبال الناس على الاحتفال برأس السنة الملعونة، الدعاة المتشدّدون لا يفهمون، والتيار المحافظ لا يستوعب ما يجري، كيف لا يخاف الناس من النار ؟ ومن عذاب القبر ؟ ....
suite  [أحمد عصيد] Date : 2017-12-28 23:11:00

 

 
في بلد التطبيع مع اسرائيل يؤسس المسلمون هيئة جديدة لمناهضة التطبيع مع اسرائيل :
بعد اعلان التحالف العربي بالخليج أن منظمة " اتحاد علماء المسلمين" التي يترائسها يوسف القرضاوي وينوب عنه الفقيه المغربي أحمد الريسوني منظمة إرهابية، يعود اسد السنة الطيب اردوكان لينشئ في اسطانبول هيئة إسلامية جديدة اسمها " علماء الأمة لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني". ....
suite  [امازيغ وولد] Date : 2017-12-19 08:16:00

 

 
السعودية : بعد الحكومة المجتمع المدني يساند إسرائيل :
بعد القمة العربية الامريكية التانية بالرياض شهد المجتمع المدني السعودي تحولا كبريا تجاه القضية الفلسطينية حيث غصت المواقع الاجتماعية السعودية بتويتات وتدوينات تساند إسرائيل بصريح العبارة ....
suite  [امازيغ وولد] Date : 2017-12-07 20:10:00

 

 
اربع دول (مسلمة) تحارب شعباً مسلماً بلا دولة :
فأما الدول (المسلمة) الاربع فهي : العراق وايران وتركيا وسوريا أما ( الشعب المسلم بلا دولة) فهو الشعب الكردي. ....
suite  [عبدالغني علي يحيى] Date : 2017-11-10 20:53:00

 

 
أوساخ الرميد :
كنت دائما أقول إن من أسباب تأخرنا وتردي أوضاعنا تولية المناصب لمن لا يستحق أو من لا صلة له بالمجال الذي أؤتمن عليه، وقد أشرت منذ إعلان تشكيلة الحكومة الحالية إلى أن تولية السيد مصطفى الرميد وزارة حقوق الإنسان هو من المهازل الكبرى التي لا يمكن أن تعني إلا أمرين اثنين: ....
suite  [أحمد عصيد] Date : 2017-10-19 12:23:00

 

 
الاعتراف بالتعددية الدينية وحرية الضمير من أوليات الحياة الديمقراطية :
بدأ الواقع المغربي يعرف بالتدريج انفتاحا ملحوظا على معتنقي الديانات الأخرى غير الإسلام، وكذا على غير المتدينين، وهو اتجاه يرتبط ارتباطا وثيقا بدينامية المجتمع المغربي ما بعد انتفاضات 2011، حيث تراجعت مواقف الخوف والتوجس، لصالح مزيد من الصراحة والصدق في النقاش العمومي، ....
suite  [أحمد عصيد] Date : 2017-10-12 21:37:00

 

 

 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.