Français
English
 

 

الاعتراف بالتعددية الدينية وحرية الضمير من أوليات الحياة الديمقراطية


مقال قرأ 81181 مرات


بدأ الواقع المغربي يعرف بالتدريج انفتاحا ملحوظا على معتنقي الديانات الأخرى غير الإسلام، وكذا على غير المتدينين، وهو اتجاه يرتبط ارتباطا وثيقا بدينامية المجتمع المغربي ما بعد انتفاضات 2011، حيث تراجعت مواقف الخوف والتوجس، لصالح مزيد من الصراحة والصدق في النقاش العمومي، فأصبحت المواقف أكثر وضوحا ومباشرة، وبدأت تقل بشكل ملموس أساليب المراوغة والمجاز والكناية في التعبير عن الآراء والاختيارات الحرة المتعلقة بالحياة الخاصة.

ومن نتائج هذه المتغيرات الإيجابية أن العديد من خطابات الوصاية والضبط التي كانت تعتمد سواء من طرف السلطة والخطاب الرسمي، أو من طرف رموز التيار المحافظ، لم تعد مقنعة، وفقدت بالتدريج جدواها، وذلك مثل القول إن 99,99 من المغاربة مسلمون، وهو رقم ذو سمعة سيئة في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، حيث يرمز للأغلبية التي ينتزعها الحكام العسكريون بالتزوير من شعوب المنطقة خلال الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية.

لقد ترسخ في عقول الناس من جراء التربية التقليدية بأن الدين سلطة قهرية مفروضة ونتج عن ذلك أمران في غاية السلبية: أولهما أن الآراء الوسطية في الدين والتي تتوافق مع تحولات المجتمع وضرورات الوقت أصبحت تبدو للناس كما لو أنها لا تمثل "الدين الصحيح"، إذ ثبت في قرارة أنفسهم بأن الدين غلظة وقسوة، وانتقام إلهي أكثر مما هو اختيار شخصي قبل كل شيء، ومحبة ومودة وسلام وتبادل وإخاء بين البشر، وهذا ما يفسر لماذا يتناقص جمهور فقهاء الوسطية والاعتدال وتتزايد جماهير المتطرفين والغلاة ودعاة الكراهية، فأوضاع التخلف العامة لا يوافقها ويستجيب لها إلا نداء التطرف والغلو، بينما خطاب الاعتدال لا يشفي غليل النفوس التي أمضها الفقر والجهل والهشاشة في كل شيء.

وثاني الأمور التي نتجت عن التربية التقليدية المحافظة أن الناس أصبحوا يجدون في حرية اختيار الدين أو في عدم التدين تمردا على النظام العام الذي يحكم الجميع، والذي يرضى به الجميع من فرط التقليد والإتباع، وبسبب غربة التجديد والإبداع. هكذا أصبح الدين نسقا تسلطيا عوض أن يكون لحظة روحية متسامية يعيشها الأفراد اختيارا في حياتهم الخاصة. ومن فرط خضوع المجموع للنظام العام الذي يستعمل فيه الدين آلية من آليات الضبط، أصبح الوضع يبدو طبيعيا تماما بالنسبة لأغلبية الناس، وصار أي اختيار مخالف لما هو مفروض يعتبر "استفزازا" ومساسا بالاستقرار، وتهديدا للانسجام العام الذي هو في الحقيقة انسجام قسري، يخفي الكثير من التناقضات وأصوات الهوامش والأقليات المقموعة. وهذا ما يفسر تسارع الناس وتسابقهم في الاعتراض على من يخالفهم في العقيدة أو النظر إلى الدين ومكانته في الدولة وطرق استعماله وتمثله وتوظيفه، لأنهم جميعا تربوا على القهر لا على الحرية، وعلى التنميط والتوجيه القسري لا على الاختيار، ويمثل سلوكهم نموذجا لـ"العبودية الإرادية" التي تجعل كل واحد منهم يشعر بأنه فرد في قطيع، أكثر مما هو مواطن حرّ.

إن إتاحة الفرصة أمام المواطنين المغاربة لكي يعبروا عن انتماءاتهم السياسية والفكرية والدينية والاجتماعية وميولهم الفنية والجنسية، وأذواقهم واختياراتهم الفردية الحرة، هو من أوليات الحياة الديمقراطية، وعلى السلطة رعاية هذا الاتجاه وحمايته لأن ذلك يعدّ من صميم مسؤوليتها وواجبها تجاه المجتمع، الذي عليها تأهيله وإعداده لهذه التحولات الإيجابية عبر التعليم والإعلام وكل قنوات الاتصال والتواصل الرسمية، بنشر قيم المواطنة والمساواة التامة والتضامن والعيش المشترك على أساس الانتماء للوطن قبل كل شيء آخر. بهذا سيكون المغاربة قادرين على إدراك أهمية قبولهم باختلافهم واحترامهم لبعضهم البعض، وليس بروز أصوات المسيحيين المغاربة والبهائيين والشيعة واليهود وغير المتدينين والمثليين والأقليات الشبابية المختلفة إلى جانب أصوات المسلمين العلمانيين، إلا انعكاسات بارزة للتحولات التي تجري في عمق الواقع، والتي تفرض علينا تغيير أسلوب تعاملنا مع مظاهر الاختلاف والتنوع في مجتمعنا.

Auteur : أحمد عصيد

 

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 81181 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق tfylfsvx هنا :    
 

 

 

 

 

 
 

شعر

عادات

لغة

بيئة

ديانات

حكايات

أنشطة تقافية

اسماء أمازيغية

ضحك

مقالات اخرى

 
الحوار بين الثقافات : مداخلة المحفوظ أمناي حول :
في الندوة التي نظمها مركز الذاكرة المشتركة للحوار بين الثقافات بمكناس يوم أمس 26 يناير 2018، تدخل السيد المحفوظ أمناي ليتساءل عن المقصود بالحوار بين الثقافات، الذي ناقشه مقدمو العروض المبرمجين في الندوة، ....
suite  [المحفوظ أمناي] Date : 2018-01-29 20:50:00

 

 
ماذا عن التعايش؟ :
تقول الأسطورة أنه وفي قديم زمان، شاءت الظروف أن عاش في أرض الشمال عملاقان قويان بالقرب من بعضهما، ولخلافات بسيطة نشبت بينهم اختلافات أودت بكليهما الى الصراع والتقاتل، كان الأول يدعى مازيغ والأخر عربي، ....
suite  [بوذراع حمودة] Date : 2018-01-22 08:31:00

 

 
الخرافة بالأرقام :
ان الغلو في كتاب صحيح البخاري، وجعله مع كامل الأسف فوق كتاب الله تعالى الموحى الى نبيه، رغم كم الاباطيل والخرافات والاساطير التي يزخر بها هذا الكتاب ، حيث أصبحت صحته من الأمور المسلمة لدى الشيوخ ، غير ان من يتصفح هذا الكتاب سيقف على اساءات كبيرة في حق الله ، وفي حق نبيه ، وفي حق كتاب الله ، ....
suite  [رشيد أيلال] Date : 2018-01-04 08:34:00

 

 
أسطورة صحيح البخاري :
بعد جولتنا في الأساطير المؤسسة لشخصية البخاري ، وما رافقها من غلو ، جعلها في النهاية تتفوق على كل الشخصيات التاريخية ، بل وحتى الدينية، بما فيها رسولنا الكريم ، واني أكاد أجزم أن شخصية البخاري ، لدينا نحن معظم المسلمين ، توازي شخصية بولس الرسول لدى المسيحيين ، حيث ....
suite  [رشيد أيلال] Date : 2018-01-02 08:03:00

 

 
لماذا لا يحسن المسلمون الدعاية لرأس السنة الهجرية ؟ :
يضجّ دعاة التطرف الديني ويقوى شغبهم على المجتمع وتعلو صيحاتهم مع كل رأس سنة ميلادية، وكلما ازداد صراخهم تزايد إقبال الناس على الاحتفال برأس السنة الملعونة، الدعاة المتشدّدون لا يفهمون، والتيار المحافظ لا يستوعب ما يجري، كيف لا يخاف الناس من النار ؟ ومن عذاب القبر ؟ ....
suite  [أحمد عصيد] Date : 2017-12-28 23:11:00

 

 
في بلد التطبيع مع اسرائيل يؤسس المسلمون هيئة جديدة لمناهضة التطبيع مع اسرائيل :
بعد اعلان التحالف العربي بالخليج أن منظمة " اتحاد علماء المسلمين" التي يترائسها يوسف القرضاوي وينوب عنه الفقيه المغربي أحمد الريسوني منظمة إرهابية، يعود اسد السنة الطيب اردوكان لينشئ في اسطانبول هيئة إسلامية جديدة اسمها " علماء الأمة لمقاومة التطبيع مع الكيان الصهيوني". ....
suite  [امازيغ وولد] Date : 2017-12-19 08:16:00

 

 
السعودية : بعد الحكومة المجتمع المدني يساند إسرائيل :
بعد القمة العربية الامريكية التانية بالرياض شهد المجتمع المدني السعودي تحولا كبريا تجاه القضية الفلسطينية حيث غصت المواقع الاجتماعية السعودية بتويتات وتدوينات تساند إسرائيل بصريح العبارة ....
suite  [امازيغ وولد] Date : 2017-12-07 20:10:00

 

 
اربع دول (مسلمة) تحارب شعباً مسلماً بلا دولة :
فأما الدول (المسلمة) الاربع فهي : العراق وايران وتركيا وسوريا أما ( الشعب المسلم بلا دولة) فهو الشعب الكردي. ....
suite  [عبدالغني علي يحيى] Date : 2017-11-10 20:53:00

 

 
أوساخ الرميد :
كنت دائما أقول إن من أسباب تأخرنا وتردي أوضاعنا تولية المناصب لمن لا يستحق أو من لا صلة له بالمجال الذي أؤتمن عليه، وقد أشرت منذ إعلان تشكيلة الحكومة الحالية إلى أن تولية السيد مصطفى الرميد وزارة حقوق الإنسان هو من المهازل الكبرى التي لا يمكن أن تعني إلا أمرين اثنين: ....
suite  [أحمد عصيد] Date : 2017-10-19 12:23:00

 

 
إمام الحرم المكي: نسأل الله تعالى ان يسدد الخطى ويبارك في جهود دونالد ترامب وخادم الحرمين :
في تصريح تلفزي لقناة "الإخبارية" السعودية قال الشيخ السديس الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي عبد الرحمن السديس، إن العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب "يقودان العالم نحو السلم والاستقرار والرخاء". ....
suite  [موحى بواوال] Date : 2017-09-18 11:48:00

 

 

 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.