Français
English
 

 

الاعتراف بالتعددية الدينية وحرية الضمير من أوليات الحياة الديمقراطية


مقال قرأ 4895 مرات


بدأ الواقع المغربي يعرف بالتدريج انفتاحا ملحوظا على معتنقي الديانات الأخرى غير الإسلام، وكذا على غير المتدينين، وهو اتجاه يرتبط ارتباطا وثيقا بدينامية المجتمع المغربي ما بعد انتفاضات 2011، حيث تراجعت مواقف الخوف والتوجس، لصالح مزيد من الصراحة والصدق في النقاش العمومي، فأصبحت المواقف أكثر وضوحا ومباشرة، وبدأت تقل بشكل ملموس أساليب المراوغة والمجاز والكناية في التعبير عن الآراء والاختيارات الحرة المتعلقة بالحياة الخاصة.

ومن نتائج هذه المتغيرات الإيجابية أن العديد من خطابات الوصاية والضبط التي كانت تعتمد سواء من طرف السلطة والخطاب الرسمي، أو من طرف رموز التيار المحافظ، لم تعد مقنعة، وفقدت بالتدريج جدواها، وذلك مثل القول إن 99,99 من المغاربة مسلمون، وهو رقم ذو سمعة سيئة في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، حيث يرمز للأغلبية التي ينتزعها الحكام العسكريون بالتزوير من شعوب المنطقة خلال الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية.

لقد ترسخ في عقول الناس من جراء التربية التقليدية بأن الدين سلطة قهرية مفروضة ونتج عن ذلك أمران في غاية السلبية: أولهما أن الآراء الوسطية في الدين والتي تتوافق مع تحولات المجتمع وضرورات الوقت أصبحت تبدو للناس كما لو أنها لا تمثل "الدين الصحيح"، إذ ثبت في قرارة أنفسهم بأن الدين غلظة وقسوة، وانتقام إلهي أكثر مما هو اختيار شخصي قبل كل شيء، ومحبة ومودة وسلام وتبادل وإخاء بين البشر، وهذا ما يفسر لماذا يتناقص جمهور فقهاء الوسطية والاعتدال وتتزايد جماهير المتطرفين والغلاة ودعاة الكراهية، فأوضاع التخلف العامة لا يوافقها ويستجيب لها إلا نداء التطرف والغلو، بينما خطاب الاعتدال لا يشفي غليل النفوس التي أمضها الفقر والجهل والهشاشة في كل شيء.

وثاني الأمور التي نتجت عن التربية التقليدية المحافظة أن الناس أصبحوا يجدون في حرية اختيار الدين أو في عدم التدين تمردا على النظام العام الذي يحكم الجميع، والذي يرضى به الجميع من فرط التقليد والإتباع، وبسبب غربة التجديد والإبداع. هكذا أصبح الدين نسقا تسلطيا عوض أن يكون لحظة روحية متسامية يعيشها الأفراد اختيارا في حياتهم الخاصة. ومن فرط خضوع المجموع للنظام العام الذي يستعمل فيه الدين آلية من آليات الضبط، أصبح الوضع يبدو طبيعيا تماما بالنسبة لأغلبية الناس، وصار أي اختيار مخالف لما هو مفروض يعتبر "استفزازا" ومساسا بالاستقرار، وتهديدا للانسجام العام الذي هو في الحقيقة انسجام قسري، يخفي الكثير من التناقضات وأصوات الهوامش والأقليات المقموعة. وهذا ما يفسر تسارع الناس وتسابقهم في الاعتراض على من يخالفهم في العقيدة أو النظر إلى الدين ومكانته في الدولة وطرق استعماله وتمثله وتوظيفه، لأنهم جميعا تربوا على القهر لا على الحرية، وعلى التنميط والتوجيه القسري لا على الاختيار، ويمثل سلوكهم نموذجا لـ"العبودية الإرادية" التي تجعل كل واحد منهم يشعر بأنه فرد في قطيع، أكثر مما هو مواطن حرّ.

إن إتاحة الفرصة أمام المواطنين المغاربة لكي يعبروا عن انتماءاتهم السياسية والفكرية والدينية والاجتماعية وميولهم الفنية والجنسية، وأذواقهم واختياراتهم الفردية الحرة، هو من أوليات الحياة الديمقراطية، وعلى السلطة رعاية هذا الاتجاه وحمايته لأن ذلك يعدّ من صميم مسؤوليتها وواجبها تجاه المجتمع، الذي عليها تأهيله وإعداده لهذه التحولات الإيجابية عبر التعليم والإعلام وكل قنوات الاتصال والتواصل الرسمية، بنشر قيم المواطنة والمساواة التامة والتضامن والعيش المشترك على أساس الانتماء للوطن قبل كل شيء آخر. بهذا سيكون المغاربة قادرين على إدراك أهمية قبولهم باختلافهم واحترامهم لبعضهم البعض، وليس بروز أصوات المسيحيين المغاربة والبهائيين والشيعة واليهود وغير المتدينين والمثليين والأقليات الشبابية المختلفة إلى جانب أصوات المسلمين العلمانيين، إلا انعكاسات بارزة للتحولات التي تجري في عمق الواقع، والتي تفرض علينا تغيير أسلوب تعاملنا مع مظاهر الاختلاف والتنوع في مجتمعنا.

Auteur : أحمد عصيد

 

تابعنا على الفايس بوك

 

 
 
تواصل
Partager sur Facebook avec vos amis-es
 
 
  مقالات لنفس الكاتب
ارسل المقال الى صديق
Article lu 4895 fois
 

تعليقات القراء

هده التعليقات لاتمتل رأي أمازيغوولد بل رأي أصحابها

 
تعليقكم هنا
الاسم
البريد الالكتروني
عنوان التعليق
التعليق
انقل كلمة التحقيق ek48q26q هنا :    
 

 

 

 

 

 
 

شعر

عادات

لغة

بيئة

ديانات

حكايات

أنشطة تقافية

اسماء أمازيغية

ضحك

مقالات اخرى

 
مصطلحات دينية قديمة بالامازيغية من الاسلام الامازيغي المعروف بالاباضي :
ورد في "كتاب البربرية" الدي الفة الأمازيغيون الإباضيون ما بين 1000 إلى 1300 سنة مجموعة من المصطلحات الدينية الامازيغية القديمة نورد منها : ....
suite  [منقول] Date : 2018-06-20 16:21:00

 

 
العقلية الإجرامية في رمضان :
صرح أحد مشعوذي الإسلام السياسي بأنّ واجب المرضى والحوامل والعجزة أن يصوموا كغيرهم وأن لا ينتبهوا إلى أقوال الأطباء الذين لا يفقهون شيئا في حقيقة رمضان، وقال هذا الدعيّ إن هؤلاء الصائمين لن يحدث لهم أي مكروه لأن رمضان "معجزة"، ....
suite  [أحمد عصيد] Date : 2018-06-04 22:12:00

 

 
المغرب : ميلاد جمعية مغربية للحقوق والحريات الدينية :
شهدت مدينة الرباط يوم 30 اريل 2018 حديثا فريدا من نوعه يتمثل في ميلاد جمعية مدنية للدفاع عن الحقوق والحريات الدينية وجاء هدا تتويجا لتوصيات مؤتمر وطني للأقليات الدينية بالمغرب عقد من قبل يوم 18 نونبر 2018. وعرفت الجمعية مشاركة قوية للمغاربة المسيحيين والشيعة واليهود والاباضيين. وهدا الحدث سيفتح صفحة جديدة من تاريخ المغرب المعروف بالدين الوحيد والمذهب الوحيد... ....
suite  [مراسل] Date : 2018-05-03 17:28:00

 

 
"تكريم المرأة" على الطريقة الإخوانية :
مقالنا هذا ليس للتشفي ولا للسخرية من الدكتور أحمد الريسوني، بل فقط لتصحيح المعطيات الواردة في مقاله الذي يحمل عنوان:" تكريم المرأة على الطريقة الحداثية"، والتي هي معطيات غير صحيحة يكذبها الواقع المباشر سواء في بلدنا المغرب أو في البلدان الغربية المتقدمة. ....
suite  [أحمد عصيد] Date : 2018-04-29 20:27:00

 

 
أسئلة إلى "أهل الاختصاص" :
كلما خضنا نقاشا حول قضية من قضايا المجتمع المغربي - التي لها علاقة بنصوص الدين - إلا وقيل لنا لستم من "أهل الاختصاص"، دون أن ينتبه أصحاب هذا الرأي إلى أن جميع القضايا التي نتناولها هي قضايا حقوقية محضة، نخوض فيها بصفتنا فاعلين مدنيين حقوقيين، أي أنها في عمق "اختصاصنا"، لكن يبدو أن هؤلاء يعتبرون الدين مجالا مستثنى من حقوق الإنسان. ....
suite  [أحمد عصيد] Date : 2018-04-20 08:10:00

 

 
نعم "صحيح البخاري" ليس صحيحا :
يعمد فقهاء التقليد ودعاة التشدّد في العديد من المناطق وعبر تحريك "المجالس العلمية" المحلية، إلى محاصرة مؤلف كتاب "صحيح البخاري نهاية أسطورة"، وذلك بالاتصال بالسلطات المحلية لمنع اللقاءات التي يحضرها الكاتب، بغرض توقيع كتابه للقراء الكثيرين الذين يطلبونه ويهتمون به، كما اتصلوا بالسلطات المحلية من أجل جمع الكتاب من المكتبات التي يباع فيها، ....
suite  [أحمد عصيد] Date : 2018-04-16 08:11:00

 

 
شهر مارس في المعتقد الشعبي الامازيغي :
نعم لقد استنطق الامازيغ الطبيعة بما فيها كما استنطقوا الزمن وقسموه كما قسموا فصوله الاربعة ولم يكتفي الامازيغ على دلك فقط بل اعطو ابعادا رمزية ودلالية وضربوا امثالا شعبية حول الفصول والشهور والايام.ويطلق الشهر عند الامازيغ..ايور..والفصل..ازمز..واليوم..اس.. ....
suite  [الحسن اعبا] Date : 2018-03-21 08:13:00

 

 
أريد سورية مثل بلاد "الكفار" : الأديب السوري محمد البوادي بعد طرد داعش والتكفيريين :
قال الأديب السوري محمد البوادي بعد طرد داعش والتكفيريين : "أريد سورية مثل بلاد الكفار". فأجابه أحد مشايخ الإسلام "الناطقين باسم الله" : إن سبب تخلفنا هو الإبتعاد عن الكتاب والسنة. فرد عليه السيد محمد البوادي : ....
suite  [منقول] Date : 2018-02-27 11:17:00

 

 
الحوار بين الثقافات : مداخلة المحفوظ أمناي حول :
في الندوة التي نظمها مركز الذاكرة المشتركة للحوار بين الثقافات بمكناس يوم أمس 26 يناير 2018، تدخل السيد المحفوظ أمناي ليتساءل عن المقصود بالحوار بين الثقافات، الذي ناقشه مقدمو العروض المبرمجين في الندوة، ....
suite  [المحفوظ أمناي] Date : 2018-01-29 20:50:00

 

 
ماذا عن التعايش؟ :
تقول الأسطورة أنه وفي قديم زمان، شاءت الظروف أن عاش في أرض الشمال عملاقان قويان بالقرب من بعضهما، ولخلافات بسيطة نشبت بينهم اختلافات أودت بكليهما الى الصراع والتقاتل، كان الأول يدعى مازيغ والأخر عربي، ....
suite  [بوذراع حمودة] Date : 2018-01-22 08:31:00

 

 

 

  amazighworld@gmail.com

Copyright 2002-2009  Amazigh World. All rights reserved.